قشرة البيض تلهم درعاً جديداً لحماية المركبات الفضائية
أفادت وکالة آنا الإخباریة، تشير التقديرات إلى وجود نحو مليون قطعة من الحطام الفضائي يزيد حجمها على سنتيمتر واحد في المدار الأرضي المنخفض. وتشمل هذه المخلفات أجزاءً منفصلة من الأقمار الصناعية والصواريخ ومعدات فضائية قديمة، تتحرك بسرعات هائلة، ما يجعل حتى الأجسام الصغيرة قادرة على إحداث أضرار بالغة عند اصطدامها بالمركبات أو التلسكوبات الفضائية.
وتكمن صعوبة تطوير أنظمة الحماية في ضرورة تحقيق توازن دقيق بين خفة الوزن والقدرة العالية على امتصاص طاقة الاصطدام. فالمركبات الفضائية تحتاج إلى هياكل خفيفة لتقليل استهلاك الوقود أثناء الإطلاق، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بتحمل الصدمات العنيفة والسريعة. ولهذا يتجه الباحثون بشكل متزايد إلى دراسة الهياكل الطبيعية والاستفادة منها في تصميم مواد هندسية متطورة.
وفي هذا السياق، درس فريق بحثي بقيادة يوكسين وانغ من جامعة داليان للتكنولوجيا في الصين، إمكانية الاستفادة من البنية الهندسية لقشرة البيض في تطوير دروع لحماية هياكل المركبات الفضائية. وانطلق الباحثون من فكرة أن بعض البنى الطبيعية طورت، عبر عمليات التكيف طويلة الأمد، خصائص فعالة في امتصاص الطاقة وتوزيعها، ما قد يوفر نموذجاً هندسياً للتعامل مع الصدمات فائقة السرعة.
واعتمدت الدراسة على النمذجة والتصنيع بالطباعة ثلاثية الأبعاد إلى جانب عمليات محاكاة واختبارات مخبرية. وصمم الباحثون هياكل من الألومنيوم على شكل قشر البيض، وملؤوها بالماء، ثم رتبوها بشكل منتظم بين لوحين من الألومنيوم مخصصين لامتصاص الصدمات، مع وضع الجزء الأعرض من الهياكل باتجاه الأسفل.
وقارن الفريق أداء هذه البنية بعدة نماذج أخرى، شملت ألواح الألومنيوم التقليدية، وكرات ألومنيوم مملوءة بالماء بين لوحين، إضافة إلى الهياكل المكونة من قشور بيض ألومنيومية مملوءة بالماء. وخضعت جميع النماذج لاختبارات لمحاكاة تأثير المقذوفات عالية السرعة.
وأظهرت النتائج أن البنية المكونة من قشور البيض الألومنيومية المملوءة بالماء حققت أفضل أداء في الحماية مقارنة بالتصاميم الأخرى. وتمكنت هذه البنية من تحمل الأحمال العالية وخفض سرعة المقذوف الناتج عن الاصطدام بنسبة قاربت 65%، مقابل نحو 51% فقط للألواح الألومنيومية التقليدية التي لا تحتوي على البنية الداخلية المستوحاة من قشرة البيض.
كما أظهرت الاختبارات أن ترتيب القشور بصورة عمودية، بحيث يلامس الطرف الأضيق منها اللوح العلوي، حقق أعلى كفاءة في امتصاص الطاقة. وفي هذا التصميم لا تتركز قوة الاصطدام في نقطة واحدة، بل تنتقل تدريجياً عبر الهيكل، بينما تتعرض القشور للتشوه والانهيار بشكل متتابع، الأمر الذي يساعد على تبديد الطاقة وتقليل القوة التدميرية للصدم.
وقد يبدو استخدام بنية هشة مثل قشرة البيض لتعزيز الحماية أمراً غير متوقع، إلا أن فعالية التصميم تكمن في طريقة تفاعل وحداته معاً. فقشرة واحدة قد تنكسر بسهولة عند تعرضها لقوة مركزة، لكن التشوه المتسلسل والمنسق لمجموعة القشور يحول قوة الاصطدام إلى عملية واسعة النطاق لامتصاص الطاقة وتوزيعها على كامل الهيكل.
ويلعب الماء الموجود داخل القشور دوراً إضافياً في تعزيز الحماية؛ فعند وقوع اصطدام عالي السرعة، يتعرض الماء لاضطراب شديد، ما يساعد على الحد من انتشار موجات الصدمة داخل البنية. ويسهم التفاعل الديناميكي بين الماء والقشرة الألومنيومية في امتصاص جزء كبير من الطاقة الناتجة عن الاصطدام وتشتيتها.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن تحويل هذا التصميم إلى درع عملي للمركبات الفضائية يتطلب مزيداً من الدراسات والاختبارات. ويعمل الفريق حالياً على تحسين هندسة الهيكل وتحديد نوع مادة الحشو الأنسب، إلى جانب ضبط سماكة القشور ونسب أبعادها وطريقة ترتيبها، بهدف رفع قدرتها على امتصاص الطاقة إلى مستويات أعلى.
وتبرز هذه النتائج إمكانات واعدة للهياكل خفيفة الوزن المستوحاة من الطبيعة في مواجهة الاصطدامات فائقة السرعة، كما تفتح المجال أمام تطوير جيل جديد من أنظمة الحماية الفضائية التي تجمع بين الكفاءة الميكانيكية وخفة الوزن، مستفيدة من حلول هندسية طورتها الطبيعة على مدى ملايين السنين.