مغامرة أمنية أم تبعية سياسية؟ قراءة في قرار أوروبا ضد الحرس الثوري
  • 31 January 2026 - 11:28

    مغامرة أمنية أم تبعية سياسية؟ قراءة في قرار أوروبا ضد الحرس الثوري

    يعكس القرار الأوروبي الأخير انتقالًا خطيرًا من الدبلوماسية العقلانية إلى سياسات أمنية مسيّسة، تُدار من خارج القارة، وتُحمِّل أوروبا كلفة قرارات لا تخدم مصالحها الاستراتيجية.
    رمز الخبر : 9165

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، إن التحركات الأخيرة للاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري منظمةً إرهابية لا يمكن فهمها كإجراء قانوني صرف، بل بوصفها انزلاقًا واضحًا نحو سياسات أمنية محفوفة بالمخاطر. فقد استهدف الاتحاد قوةً كانت، خلال العقد الماضي، السدّ الأكبر في وجه الإرهاب التكفيري في غرب آسيا.

    ويسعى هذا التحليل إلى تفكيك جذور هذا العداء، وكشف التناقضات السلوكية الأوروبية، والدعم العلني والضمني الذي قدّمته بعض الدول الأوروبية للعنف في المنطقة، فضلًا عن حالة الارتهان السياسي للاتحاد الأوروبي أمام الولايات المتحدة وإسرائيل.

    الحرس الثوري ومفارقة «داعش»: هدية أوروبا للإرهاب التكفيري

    أكبر أخطاء أوروبا التحليلية يتمثّل في تجاهل الوقائع الميدانية الموثّقة خلال السنوات الماضية. فاعترافات مسؤولين غربيين ووثائق رسمية بين عامي 2014 و2017 تؤكد أنه لولا الدور الاستشاري والميداني للحرس الثوري، والقيادة الميدانية للشهيد قاسم سليماني، لتغيّرت الجغرافيا السياسية للمنطقة، ولتحوّلت بغداد ودمشق إلى عاصمتين لـ«خلافة داعش».

    وفي مفارقة لافتة، تصنّف أوروبا الحرس الثوري منظمةً إرهابية في الوقت الذي يعود فيه جزء من أمن شوارع باريس وبروكسل وبرلين إلى هزيمة «داعش» على يد هذه القوة. إن إضعاف الحرس الثوري، بوصفه ركيزة الاستقرار وأهم قوة إقليمية لمكافحة الإرهاب، يعني عمليًا منح «تنفّس اصطناعي» لخلايا داعش والقاعدة وجبهة النصرة، وفتح الطريق أمام عودة الفوضى إلى غرب آسيا، مع تمدد محتمل لتلك الجماعات نحو المتوسط والقرن الأفريقي.

    إعادة قراءة الملف الأسود لأوروبا: تجارة الدم في غرب آسيا

    الاتحاد الأوروبي الذي يتصدّر اليوم مشهد الادّعاء، يحمل سجلًا مثقلًا بدعم العنف والحروب في المنطقة، وهو ما يفرغ خطابه الحقوقي من مضمونه، في ضوء الوقائع التالية:

    تسليح مرتكبي الجرائم: تشير تقارير مؤسسات دولية، مثل معهد SIPRI، إلى أن دولًا أوروبية كألمانيا وفرنسا وبريطانيا كانت من أبرز مورّدي الأسلحة والقنابل الموجّهة التي استخدمها النظام السعودي والتحالف العربي ضد الشعب اليمني، ما يجعل أوروبا شريكًا مباشرًا في أكبر أزمة إنسانية في القرن.

    دعم نظام صدام: لم تنسَ الذاكرة التاريخية أن الأسلحة الكيميائية والمعدّات العسكرية التي استخدمها نظام صدام حسين ضد الإيرانيين وضد أهالي حلبجة، جرى توفير جزء كبير منها عبر شركات ألمانية وفرنسية.

    الملف السوري: أسهم الدعم السياسي واللوجستي الأوروبي لما سُمّي «المعارضة المعتدلة»—التي انتهى كثير منها في صفوف داعش والنصرة—في تأجيج الحرب السورية، وسقوط مئات الآلاف من الضحايا، وتشريد الملايين في سوريا والعراق.

    اختبار غزة والسقوط الأخلاقي لأوروبا

    كشفت أحداث ما بعد «طوفان الأقصى» وحرب الإبادة في غزة الوجه الحقيقي للاتحاد الأوروبي. فبينما كان الاحتلال الإسرائيلي يقصف المستشفيات والمدارس ويقتل آلاف الأطفال، لم يكتفِ القادة الأوروبيون بالصمت، بل وفّروا غطاءً سياسيًا للاحتلال عبر زيارات متتالية إلى تل أبيب، ومنحوه «حق الدفاع عن النفس». هذا الكيل بمكيالين أعلن عمليًا «وفاة حقوق الإنسان الأوروبية». فأوروبا التي تذرف الدموع لأوكرانيا، تحوّلت في غزة إلى داعم سياسي ولوجستي لإسرائيل، ما يؤكد أن معايير «الإرهاب» لديها تُصاغ وفق مصالح تل أبيب، لا وفق أفعال العنف والقتل.

    أوروبا: من لاعب مستقل إلى تابع سياسي لواشنطن

    تعود جذور التصعيد الأوروبي ضد إيران إلى غياب الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد. فقد مثّلت مرحلة دونالد ترامب ذروة إذلال أوروبا، عندما انسحبت واشنطن أحاديًا من الاتفاق النووي، فأفرغت التواقيع الأوروبية من مضمونها. وعجزت أوروبا، رغم وعود آلية «إنستكس»، عن تنفيذ معاملة مالية واحدة خارج الإرادة الأمريكية. واليوم، تتكرّس هذه التبعية عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية المتواصلة. ويأتي تصنيف الحرس الثوري امتدادًا لهذه الحالة؛ إذ تتحمّل أوروبا كلفة قرار أمني، بينما تجني الولايات المتحدة وإسرائيل ثماره، على حساب أمن الطاقة وحدود أوروبا نفسها، ولا سيما في ملف الهجرة.

    إن خطوة الاتحاد الأوروبي ضد الحرس الثوري تمثّل محاولة للهروب إلى الأمام للتغطية على إخفاقات داخلية وخارجية. ولن تؤدي هذه الخطوة إلى عزل «حرس الثورة الإسلامية»، بقدر ما ستُضعف قنوات التواصل الدبلوماسي والأمني، وتجعل أوروبا أكثر هشاشة أمام أزمات المنطقة المقبلة.

    لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن أمنها وقدراتها الدفاعية لا ترتبط بمصادقة الغرب، غير أن على أوروبا أن تدرك أن تصنيف القوة العسكرية الرسمية لدولة عضو في الأمم المتحدة كمنظمة إرهابية يشكّل سابقة خطيرة، سترتدّ تداعياتها قبل كل شيء على قارة يعتمد أمنها، إلى حدّ كبير، على استقرار غرب آسيا. وبهذا القرار، يكون الاتحاد الأوروبي قد تخلّى عن موقعه كفاعل دبلوماسي، وانتقل عمليًا إلى طرفٍ في الصراع.

    إرسال تعليق
    captcha