هل تسعى الولايات المتحدة إلى الاستقرار أم إلى إعادة رسم الحدود؟
من خطاب ديني إلى مشروع جيوسياسي
لا يمكن اعتبار تصريحات السفير الأمريكي في الأراضي المحتلة بشأن أحقية إسرائيل في السيطرة على جغرافيا تمتد "من النيل إلى الفرات" مجرد موقف شخصي أو انفعال سياسي عابر. فهذه التصريحات صدرت ضمن سياق أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريف الصهيونية السياسية بقراءة دينية انتقائية، توظّف النصوص المقدسة لإضفاء شرعية على مشروع توسعي ذي أبعاد إقليمية.
في المقابل، ترى شريحة واسعة من اليهود حول العالم أن الكيان الصهيوني لا يمثل بالضرورة تجسيدًا حتميًا للتعاليم الدينية. غير أن هذا الخطاب يحوّل اليهودية إلى أداة تبرير للحرب والاحتلال، وينقل الصراع من مستواه السياسي إلى مستوى هوياتي ـ حضاري، بما يوسع نطاق الأزمة ويقلّص فرص التسوية.
مجلس السلام: مبادرة إنسانية أم هندسة أمنية؟
بالتوازي مع تلك التصريحات، أعلن ترامب عن خطة تحمل اسم "مجلس السلام لإعادة إعمار غزة"، مصحوبة بوعود تمويلية كبيرة. غير أن تزامن المسارين يثير تساؤلات استراتيجية ملحّة: كيف يمكن الترويج للسلام في الوقت الذي يُمنح فيه غطاء شرعي لمشروع توسعي أقصى؟
يبدو أن مجلس السلام، بدل أن يكون مبادرة إنسانية خالصة، قد يشكّل أداة لتحقيق أهداف لم تتحقق في الميدان العسكري، وعلى رأسها نزع سلاح قوى المقاومة وإعادة صياغة التوازن الأمني في غزة. وفي هذا السياق، قد تتحول عملية إعادة الإعمار إلى رافعة لإعادة تشكيل البنية السياسية والأمنية الفلسطينية. وعليه، يمكن قراءة تصريحات هاكابي لا بوصفها زلة دبلوماسية، بل كإفصاح مبكر عن البعد الجيوسياسي الكامن وراء المجلس.
"الشرق الأوسط الجديد": إعادة إنتاج نظام تابع
تندرج دعوى "الحق في الهيمنة الإقليمية" ضمن المشروع الأوسع الذي طُرح منذ سنوات تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد"، وهو تصور يقوم على تكريس التفوق الأمني الإسرائيلي وجعل المصالح الأمريكية محور هندسة التوازنات الإقليمية. وتظهر ملامح هذا التوجه في الضغوط الرامية إلى نزع سلاح فصائل المقاومة، وإعادة ترتيب الانتشار العسكري في سوريا، وممارسة الضغط السياسي على العراق، وتصعيد الإجراءات ضد إيران.
يرتكز هذا الإطار على ثلاث دعائم رئيسية: إدارة الأزمات بصورة مستمرة، إضعاف القدرات الدفاعية للدول، وتفكيك البنى الوطنية إلى كيانات مجزأة. في هذا النموذج، لا يُعرَّف الأمن بوصفه نتاج تعاون إقليمي، بل باعتباره نتيجة احتواء وتبعية. ومن ثم، يمكن اعتبار تصريحات السفير الأمريكي تعبيرًا صريحًا عن هذا النهج، الذي يحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوح.
مخاطر الحسابات الخاطئة وضرورة التقارب الإقليمي
إلى جانب هاكابي، تُعرف شخصيات مثل ليندسي غراهام بدعمها الصلب للسياسات الصهيونية وتأثيرها في دوائر صنع القرار لدى ترامب. وجود مثل هذه التيارات في محيط الرئيس الأمريكي يزيد احتمالات الوقوع في أخطاء حسابية، لا سيما في ما يتعلق بإيران.
إن أي مواجهة واسعة النطاق لن تهدد استقرار المنطقة فحسب، بل ستطال المصالح الأمريكية ومكانتها الدولية.
ومن هنا، فإن الخيار الاستراتيجي لدول غرب آسيا يتمثل في تعزيز التقارب الإقليمي حول القضية الفلسطينية، والعمل على بلورة نظام إقليمي مستقل قائم على الردع والتكامل الداخلي. فقط عبر هذا المسار يمكن منع تحوّل المنطقة إلى مسرح لتنفيذ مشروع "شرق أوسط أمريكي" يعيد إنتاج التبعية تحت غطاء الأمن.