الرسالة غير المعلنة من طهران إلى واشنطن: الأمن أولاً… ثم التفاوض
وفقا لوکالة آنا الإخباریة، فالحوار، من وجهة نظر طهران، لا يجري في فراغ سياسي، بل ضمن سياق أوسع لإعادة تعريف مفهوم الأمن في غرب آسيا بوصفه مسؤولية جماعية لا سلعة مستوردة ولا ترتيبات ظرفية عابرة.
تشير القراءة التحليلية للتحولات الجارية إلى أن الإخفاقات المتكررة في تثبيت الاستقرار تعود إلى تبني نماذج أمنية تقليدية أثبتت محدوديتها. فالأمن في هذه الجغرافيا ليس حالة ساكنة يمكن تثبيتها بقرار خارجي، ولا نتيجة اتفاقات مرحلية مع قوى من خارج الإقليم.
وتؤكد التجارب المتراكمة أن الأمن الإقليمي ذو طبيعة مترابطة؛ إذ لا يمكن لأي دولة أن تنعم بـ«جزيرة آمنة» في محيط مضطرب. هذا التصور، بحسب الرؤية الإيرانية، لم يكن سوى وهم مكلف ساهم في إدامة الهشاشة البنيوية.
الاعتماد التاريخي لبعض دول المنطقة على ترتيبات أمنية خارجية أفضى – وفق هذا الطرح – إلى نتائج عكسية. فالأمن المرتبط بإرادة قوى كبرى يظل رهينة حساباتها المتغيرة، ما يجعله فاقداً للاستمرارية والقدرة على التنبؤ. وفي لحظات الاختبار، لم تؤدِّ تلك الترتيبات دور الضامن، بل تحولت أحياناً إلى عامل لتوسيع دوائر التوتر.
في هذا السياق، تُقدَّم «سياسة الجوار» الإيرانية باعتبارها خياراً استراتيجياً طويل الأمد، لا تكتيكاً مرحلياً. فقد سعت طهران إلى نقل منطق إدارة الأزمات من الاعتماد الحصري على الوسطاء الخارجيين إلى تفعيل دور الفاعلين الإقليميين الذين ترتبط مصالحهم مباشرة باستقرار إيران والمنطقة.
تطرح طهران مفهوم «الأمن التشاركي» باعتباره بديلاً عن أنماط الاستقطاب التقليدية. يقوم هذا المفهوم على إدراك مشترك للتهديدات، وتحمل جماعي للمسؤولية، وتعاون عملي يحدّ من سوء الفهم ويقلّص احتمالات الخطأ في الحسابات.
وفي هذا الإطار، ترى إيران أن دول جنوب الخليج، إلى جانب تركيا وباكستان، تتحمل أدواراً متباينة لكنها متكاملة في إنتاج الأمن أو تقويضه. ومن ثم، فإن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا ضمن معادلة مسؤولية متبادلة، لا عبر تحالفات ظرفية أو رهانات أحادية.
عُمان ودورها في الوساطة: تكتيك ضمن استراتيجية
ضمن هذه المقاربة، يُفهم دور سلطنة عُمان في استضافة الوساطة المتعلقة بالمفاوضات الجارية في جنيف بوصفه امتداداً لسياسة الجوار، لا بديلاً عنها. فاختيار مسقط وسيطاً لا يعكس اعتبارها محور المعادلات الأمنية، بل يجسد – وفق القراءة الإيرانية – توظيفاً ذكياً لأدوات إقليمية تسهم في تسهيل الحوار وخفض الاحتكاك.
وتُقدَّم هذه الوساطة كآلية لبناء ثقة منضبطة، تتيح إدارة الخلافات دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على أولوية الأمن الإقليمي كشرط مسبق لأي تفاهم سياسي.
الأمن كمشروع مشترك لا يحتمل التنصل
تؤكد الرؤية الإيرانية أن أمن المنطقة مشروع جماعي قائم على ترابط المصير. وأي إخلال بمبدأ المسؤولية المتبادلة لن يؤدي فقط إلى إضعاف المنظومة الإقليمية، بل سيرتدّ على الداخل الوطني لكل طرف يتنصل من دوره.
وعليه، فإن الرسالة الضمنية الموجهة إلى واشنطن تتلخص في أن التفاوض ممكن ومفتوح، لكن ضمن بيئة أمنية مستقرة تُبنى من داخل الإقليم لا من خارجه. فإما أن يتحول الأمن إلى قاعدة مشتركة تُدار عبر تعاون مسؤول، أو يصبح نقطة هشاشة جماعية تعيد إنتاج دوائر التوتر ذاتها.