تعليقٌ متوتّر: اللعبة الاستراتيجية بين طهران وواشنطن على حافة الحرب والدبلوماسية
  • 28 January 2026 - 11:10
    الخاص لوکالة آنا؛

    تعليقٌ متوتّر: اللعبة الاستراتيجية بين طهران وواشنطن على حافة الحرب والدبلوماسية

    تشهد العلاقات بين طهران وواشنطن في المرحلة الراهنة حالةً من «التعليق المتوتّر»، هدفها كسب الوقت، وترسيخ معادلات الردع، ومنع الانزلاق المفاجئ إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وفي هذا السياق، يسعى الطرفان، عبر التمسك بالحذر والحفاظ على «الغموض الاستراتيجي»، إلى إبقاء توازنٍ هشّ بين الضغط والحوار.
    رمز الخبر : 9150

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، «لا يمكن افتراض أي شيء على نحوٍ قطعي»؛ عبارة تختصر إلى حدّ كبير جوهر الموقف الإيراني الراهن، كما عبّر عنه إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، خلال المؤتمر الصحافي يوم الاثنين 6 بهمن. وجاء هذا التصريح في خضم أسئلة متلاحقة بشأن «دخول مجموعة حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن إلى المنطقة»، بينها سؤال من مراسل قناة «فونيكس» الصينية حول ما إذا كانت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة قادرة على خفض احتمالات اندلاع الحرب.

    في ظل غياب قرار نهائي لدى الطرف المقابل، ومع أن إيران تبقي يدها على الزناد، فإنها لا تزال تتجنب الانتقال إلى وضع «الضربة الاستباقية». ومن ثمّ، بدا ردّ بقائي تعبيراً كلاسيكياً عن موقفٍ قائم على «احتمال» مفتوح، لا على حسمٍ قاطع.

    ورغم أن بقائي شدد في إجابة أخرى على أن «الدخول في الحوار والتفاوض لا يكون إلا مع طرف لا يسعى إلى الحرب والمواجهة»، فإنه عاد ليؤكد في الوقت نفسه أن «إيران لم تُعرض يوماً عن الدبلوماسية والمفاوضات».

    غير أن السؤال الجوهري يبقى: ما حجم هامش تذبذب «بندول الاحتمال» بين خياري الحرب والدبلوماسية؟ قد يكون الجواب الأدق هو: «ما دامت المفاوضات لا تفضي إلى استسلام تحت الضغط»، وهو شرط لا ينسجم كثيراً مع الحشد العسكري الأميركي في المنطقة.

    وبالنسبة لطهران، فإن الاتكاء على بندول الاحتمال يوفّر ميزة إضافية تتمثل في الحفاظ على نهج «الغموض الاستراتيجي»، بما يمنع استفزاز الطرف الآخر أو فتح المجال أمام سوء التقدير. ويتجلى هذا النهج بوضوح في قول بقائي: «نحن جادّون في الدبلوماسية بقدر جديّتنا في الدفاع»، قبل أن يختم بتحذير صريح: «إذا فُرضت الحرب، فلن يكون أمامكم خيار سوى الصمود».يرسم هذا الموقف حدود الاستراتيجية الإيرانية؛ حدودٌ لا تتحدث عن عملٍ استباقي، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل بالتراجع تحت الضغط. وهو موقف يجمع بين ردعٍ حازم، وتحذيرٍ تكتيكي، والحفاظ على مسار الدبلوماسية، بهدف إبقاء الطرف المقابل في حالة حسابات معقّدة.

    الحرب والدبلوماسية من المنظور الأميركي

    على الضفة المقابلة، ترتبط المواقف الأميركية هي الأخرى بحالة الغموض ومعادلة الضغط/التفاوض، لكن من زاوية مختلفة. فقد صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقابلة مع موقع «أكسيوس» بأن إيران «ترغب فعلاً في التوصل إلى اتفاق». ورغم أن هذا القول لا يتجاوز كونه ادعاءً، فإنه يعكس أن واشنطن، على الرغم من استعراض القوة العسكرية، لم تصل بعد إلى قرار نهائي بشأن المواجهة، وتفضّل إدارة الأزمة عبر مزيج من الضغط وإبقاء نافذة التفاوض مفتوحة.

    كما لا يخلو هذا التصريح من بعدٍ نفسي؛ إذ إن طهران لم تعلن يوماً رفضها للاتفاق، وإلا لما انخرطت في خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة عبر الوساطة العُمانية.

    إطار واحد من زاويتين مختلفتين

    بعيداً عن الشعارات والأيديولوجيا والحرب النفسية، يركّز كل من إيران والولايات المتحدة، على المستوى التحليلي، على واقعٍ معقّد ومتعدد الأبعاد، وإن اختلفت زاوية المقاربة. فترامب يتحدث على المستوى الإدراكي عن استعداد إيران للدبلوماسية، بينما يركّز بقائي على الإطار الاستراتيجي الذي يجب أن تُدار ضمنه أي محادثات.

    بعبارة أبسط، تريد واشنطن الإبقاء على الضغط العسكري بوصفه أداةً لتعزيز قدرتها التفاوضية، فيما تشدد طهران على أن المفاوضات الحقيقية لا يمكن أن تتم إلا حين لا يعني الضغطُ الاستسلام. وهكذا، ومن دون تطابق كامل أو تعارض مباشر، يتحرك الطرفان ضمن إطار واحد يتأرجح بين التهديد والحوار، محكومٍ ببندول الاحتمال.

    تعليق الدبلوماسية بين «التفاوض» و«فخّ التفاوض» قراءة في المآلات

    في الوضع الراهن، لا تبدو الحرب حتمية، كما أن المسار الدبلوماسي ليس واضح المعالم. فالعلاقة بين طهران وواشنطن تقوم على «غموض استراتيجي» وتوازنٍ هشّ بين الضغط والحوار. إيران تحافظ على الدبلوماسية من موقع قوة، مستندةً إلى الجاهزية الدفاعية والردع، وتربط أي تفاوض بسلوك الطرف الآخر. في المقابل، تدمج الولايات المتحدة بين التهديد العسكري وإبقاء باب الحوار مفتوحاً، في محاولة لتأجيل اتخاذ قرار نهائي بالحرب.

    في مثل هذه الظروف، لا يكمن الخطر الحقيقي في قرارٍ واعٍ بالذهاب إلى الحرب، بل في خطأ حسابي محتمل، حيث قد يؤدي الضغط العسكري من جانب والقيود السياسية من جانب آخر إلى احتكاك غير مقصود.

    وعليه، فإن ما يجري اليوم بين طهران وواشنطن هو بالفعل «تعليق متوتّر»، يهدف إلى كسب الوقت، وترسيخ الردع، ومنع العبور المفاجئ إلى عتبة المواجهة المباشرة. إنها لعبة استراتيجية حذِرة، يرسل فيها كل طرف إشارات محسوبة، ويفحص حسابات خصمه، مع الحفاظ في آنٍ واحد على مساري الردع والدبلوماسية لتفادي قرارٍ متسرّع لا يمكن الرجوع عنه.

    إرسال تعليق
    captcha