الهواتف المحمولة والسرطان.. ماذا تكشف أحدث الدراسات؟
أفادت وکالة آنا الإخباریة، هذا الانتشار الواسع أثار اهتمام العلماء ومخاوف الأطباء بشأن تأثير الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الأجهزة الإلكترونية على أنسجة الجسم، ولا سيما الدماغ الذي يوجد على مقربة مباشرة من الهاتف.
وخلال العقدين الماضيين، ركزت أبحاث كثيرة على احتمال وجود علاقة بين استخدام الهواتف المحمولة والإصابة بأورام السرطان في الدماغ والرأس والرقبة.
وفي ظل هذا الجدل، خلصت مراجعة علمية واسعة أُجريت بتكليف من منظمة الصحة العالمية إلى نتائج تقدم صورة أكثر وضوحاً بشأن المخاطر الصحية المحتملة لهذه الموجات.
كيف بدأ القلق من الإشعاعات؟
تعود المخاوف من الموجات الكهرومغناطيسية إلى فترة كان العلم لا يزال يحاول فيها فهم تأثيراتها على الكائنات الحية. ومع انتشار أجهزة التلفاز وأفران الميكروويف في المنازل خلال منتصف القرن الماضي، بدأ الناس يواجهون للمرة الأولى مصادر غير مرئية للطاقة في محيطهم اليومي.
ورغم أن هذه الأجهزة كانت تبعث إشعاعات منخفضة الطاقة، فإن الاعتقاد بأن «كل إشعاع خطر» ترسخ تدريجياً، خصوصاً مع معرفة الأضرار المرتبطة بالإشعاعات عالية الطاقة، مثل الأشعة السينية، التي ثبتت قدرتها على إحداث طفرات قد تؤدي إلى السرطان.
وأدى الخلط بين أنواع الإشعاع المختلفة، إلى جانب التوسع الكبير في استخدام التقنيات اللاسلكية، إلى تحويل المخاوف من هذه الموجات إلى هاجس واسع الانتشار.
ومع أن الدراسات اللاحقة أظهرت أن الموجات منخفضة الطاقة لا تملك القدرة على كسر الروابط الجينية أو إحداث أضرار مباشرة في الخلايا، فإن المخاوف القديمة عادت إلى الواجهة مع الانتشار الهائل للهواتف المحمولة وقربها المستمر من أجساد المستخدمين.
مراجعة علمية بتكليف من منظمة الصحة العالمية
في عام 2019، كلفت منظمة الصحة العالمية 13 فريقاً علمياً مستقلاً بإجراء مراجعات شاملة حول الآثار الصحية المحتملة للتعرض للموجات الكهرومغناطيسية. وشملت هذه المراجعات السرطان، إلى جانب الخصوبة والأعراض العصبية، مثل الصداع وطنين الأذن، فضلاً عن أمراض مزمنة أخرى.
وقبل استكمال المنظمة تحليلها النهائي لهذه المراجعات، نشر باحثان نتائج مراجعة تناولت العلاقة بين استخدام الهواتف المحمولة وسرطان الدماغ، وشملت 63 دراسة علمية نُشرت بين عامي 1994 و2022.
وخلصت المراجعة إلى عدم وجود أي علاقة بين استخدام الهاتف المحمول والإصابة بسرطان الدماغ أو سرطانات الرأس والرقبة. كما لم يتغير هذا الاستنتاج تبعاً لمدة الاستخدام أو كثافته، حتى لدى الأشخاص الذين استخدموا الهواتف لأكثر من 10 سنوات.
وتناولت المراجعة أيضاً مخاوف قديمة بشأن احتمال ارتباط موجات الراديو والتلفاز بزيادة خطر الإصابة بسرطان الدم لدى الأطفال، لكنها لم تجد دليلاً على وجود علاقة بين الأمرين.
لماذا يصعب حسم تأثير الموجات؟
يشير الباحثون إلى أن دراسة هذه المسألة تواجه تحديات كبيرة، خصوصاً أن معظم الأبحاث تعتمد على الملاحظة، وليس على تجارب يمكن فيها التحكم بجميع العوامل.
ويصعب لذلك فصل تأثير الموجات الكهرومغناطيسية عن عوامل أخرى تؤثر في صحة الإنسان، مثل النظام الغذائي، والنشاط البدني، والتاريخ العائلي للأمراض، والظروف المعيشية.
ولهذا، اعتبرت معظم مراجعات منظمة الصحة العالمية أن الأدلة المتوفرة ليست قوية بما يكفي للوصول إلى نتائج قاطعة. إلا أن الأدلة المتعلقة بسرطان الدماغ كانت الأقوى بين مختلف المجالات التي جرى بحثها.
ومن المؤشرات التي عززت هذه النتائج أن معدلات الإصابة بسرطان الدماغ لم تشهد ارتفاعاً واضحاً بالتزامن مع الانتشار الواسع للهواتف المحمولة. ففي أستراليا، على سبيل المثال، بقيت معدلات الإصابة مستقرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، أي قبل أن تصبح الهواتف المحمولة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
ويرى الباحثون أن هذا الاستقرار الإحصائي، إلى جانب قوة الأدلة المتاحة، يعزز النتائج التي تنفي وجود علاقة واضحة بين استخدام الهواتف المحمولة والإصابة بسرطانات الدماغ أو الرأس أو الرقبة.
وفي خلاصة تقريرهم، شدد الباحثون على أن المنهج العلمي لا يستطيع إثبات الغياب المطلق لأي خطر، لكن الأدلة المتراكمة حتى الآن لم تكشف عن أي رابط واضح بين استخدام الهواتف المحمولة والإصابة بأي نوع من سرطانات الدماغ أو الرأس أو الرقبة.