الاتهامات النووية ضد الصين: إدارة الخطر أم صناعة التهديد؟
أفادت وکالة آنا الإخباریة، تأتي الادعاءات الأمريكية بشأن إجراء الصين اختبارات نووية سرّية في سياقٍ تسير فيه واشنطن نفسها علناً نحو إعادة فتح باب التجارب النووية.
فالتوجيهات الصادرة عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لاستئناف اختبارات الأسلحة النووية، والسعي إلى تطبيع هذا السلوك، تكشف أن توجيه الاتهامات إلى بكين لا يرتبط فعلياً بمخاوف الأمن الدولي، بل يُستخدم أداةً لإضفاء شرعية على سياسات أمريكية عالية المخاطر في المجال النووي.
وفي هذا الإطار، فإن إثارة ادعاءات متزامنة ضد إيران وروسيا والصين تبدو أقرب إلى هندسة للرأي العام تهدف إلى خلق «هامش أمان استراتيجي» لواشنطن.
فخّ المعاهدات… ضبط الآخرين من دون التزام:
الانهيار العملي لمعاهدة «نيو ستارت»، إلى جانب التصريحات الرسمية الأمريكية التي تشكك في جدواها، يكشفان ملامح استراتيجية جديدة تتبناها واشنطن: إعادة صياغة نظام ضبط التسلح من دون الالتزام بالتعهدات السابقة. فمن جهة، تدعو الولايات المتحدة إلى معاهدات جديدة وفق معاييرها الخاصة، ومن جهة أخرى تسعى إلى إدخال الصين في آليات لا تلتزم هي نفسها بها. هذا النهج لا يهدف إلى ضبط التسلح بقدر ما يسعى إلى تطويق روسيا والصين جيوسياسياً عبر معاهدات مفروضة.
مواجهة النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب:
لا يمكن فصل الاتهامات النووية الموجهة إلى الصين عن سياق أوسع يشمل سياسات أمريكية ضد فنزويلا، وضغوطاً تجارية على الصين وروسيا، ومحاولات هندسة مسار السلام في أوكرانيا بهدف إبعاد موسكو عن بكين، فضلاً عن الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني لزعزعة استقرار غرب آسيا.
مجمل هذه التحركات يعكس سعياً واضحاً لإضعاف الممرات الاقتصادية الصينية والتصدي لنظام عالمي متعدد الأقطاب. كما أن التزامن بين هذه الادعاءات والمفاوضات النووية مع إيران، إلى جانب الجمود في ملف «ستارت» مع روسيا، يشير إلى تصميم منسق يستهدف أيضاً النظام النووي العالمي الناشئ.
أزمة شرعية المؤسسات الدولية:
من الناحية القانونية، تفتقر الاتهامات الأمريكية ضد الصين إلى المصداقية، إذ إن الجهة المخوّلة بالتحقق من الأنشطة النووية للدول هي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا واشنطن. غير أن صمت الوكالة إزاء التزامات نزع السلاح للدول المالكة للأسلحة النووية، مقابل سلوكيات سياسية وانتقائية تجاه دول مثل إيران، أسهم في تقويض شرعيتها.
هذه الازدواجية لا تهدد الأمن العالمي فحسب، بل تعمّق أيضاً فقدان الثقة لدى الدول، وتزيد من احتمالات الانسحاب من الأطر الدولية، في مسار قد ينتهي بانهيار منظومة الرقابة النووية القائمة.