مسقط… والدبلوماسية بوصفها امتدادًا للقوة الوطنیة
أفادت وکالة آنا الإخباریة، إن حضور وزير الخارجية والوفد الإيراني الرفيع المستوى في محادثات عُمان يشكّل دلالة واضحة على استمرار القوة الناعمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مسار العقلانية والاستقلال وصون المصالح الوطنية. مسقط هذه المرة ليست مجرد وجهة جغرافية، بل ساحة تتقاطع فيها الإرادات، وتُختبر فيها النيات، وتُوزن فيها الاستراتيجيات.
دخول وزير الخارجية الإيراني إلى العاصمة العُمانية يحمل رسالة جلية: طهران اختارت الحوار لا من موقع الاضطرار، بل من موقع القرار والثقة بالنفس. وهذا الخيار، خلافًا للسرديات التي تروّج لها بعض وسائل الإعلام المعادية، لا يمثّل تراجعًا، بل امتدادًا للعقلانية الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.
الوفد الإيراني دخل المفاوضات بتشكيلة مدروسة من الدبلوماسيين السياسيين والقانونيين والاقتصاديين؛ وهي تشكيلة تؤكد بحد ذاتها أن هذه المحادثات ليست مجرد إيماءة سياسية، بل مسعى محسوب بدقة للوصول إلى نتائج ملموسة. في المقابل، فإن حضور شخصيات تمثل منطق “الصفقة” في واشنطن أكثر مما تمثل الدبلوماسية الكلاسيكية، يعكس استمرار تردد الولايات المتحدة بين الادعاء والالتزام.
إيران جدّدت التأكيد على أن موضوع المحادثات يقتصر على الملف النووي فقط؛ لا الإقليم، ولا القدرات الدفاعية، ولا عناصر الردع. هذا الخط الأحمر لا ينبع من العناد، بل من تجربة تاريخية أثبتت أن فتح ملفات خارج الإطار المتفق عليه يؤدي إلى استنزاف الدبلوماسية ويتيح للطرف الآخر فرص الاستغلال.
ومن هنا، تعمل طهران على ضبط ساحة التفاوض بدقة كي لا تضيع النتيجة المرجوة في متاهات المطالب المفرطة. بالنسبة لإيران، الزمن ليس مفهومًا مجردًا؛ بل هو معادل مباشر لمعاش الناس، والاستقرار الاقتصادي، ورفع العقوبات الجائرة. وعلى عكس الطرف الغربي الذي يحوّل المفاوضات أحيانًا إلى أداة لإدارة أزماته الداخلية، تسعى طهران إلى اتفاق سريع، شفاف، وقابل للتحقق؛ اتفاق يعترف بحقوق إيران القانونية في تخصيب اليورانيوم، ويرفع العقوبات فعليًا لا نظريًا.
مسقط… تقاطع الدبلوماسية والذاكرة التاريخية
الولايات المتحدة سعت في السنوات الأخيرة إلى الحفاظ على زمام المبادرة عبر الجمع بين “الدبلوماسية والتهديد”، وهو نهج أقرب إلى الضغط منه إلى الحوار.
غير أن التجربة أظهرت أن هذه المقاربة المزدوجة محدودة الفاعلية أمام دولة تجمع بين كونها “أهل الدبلوماسية” و“أهل المقاومة”. فطهران، من دون أن تغلق أبواب الحوار، لم تسمح بتحويل التهديد العسكري إلى أداة لانتزاع التنازلات. التصريحات المتكررة للمسؤولين الأمريكيين حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إذا ما اقترنت بالصدق، يمكن أن تشكّل أرضية للتفاهم.
فقد أكدت إيران مرارًا أنها لا تسعى إلى السلاح النووي، وأن أنشطتها تقع ضمن إطار القانون الدولي. ومن هذا المنطلق، تصبح الكرة في ملعب واشنطن: هل هي مستعدة لتقليص الفجوة بين الخطاب الإعلامي والالتزامات العملية؟ وسائل الإعلام الغربية، التي كانت حتى وقت قريب تعتمد لغة التهديد وتضخيم السيناريوهات العسكرية، اضطرت بعد المواقف الحازمة لإيران وتشديدها على الجاهزية المزدوجة للدبلوماسية والدفاع، إلى تعديل نبرتها.
هذا التحول في الخطاب الإعلامي يشكّل اعترافًا ضمنيًا بحقيقة أن المواجهة مع إيران ليست قصيرة ولا سهلة، وأن كلفتها لن تقتصر على حدودها الجغرافية. أي مغامرة عسكرية ستنعكس على المنطقة برمتها، ولا سيما الدول التي تستضيف القواعد الأمريكية وتجد نفسها، من دون قصد، في دائرة التداعيات المباشرة.
إيران تطرح هذه الحقيقة لا بوصفها تهديدًا، بل تحذيرًا استراتيجيًا: فالأمن ليس سلعة مستوردة، وعدم الاستقرار لا يعترف بالحدود.
التركيز على النتائج في مواجهة استنزاف الدبلوماسية
قرار إيران الدخول في هذه المرحلة من المحادثات هو قرار توافقي نابع من تنسيق كامل مع المؤسسات العليا لصنع القرار. هذا الانسجام الداخلي يمثّل نقطة قوة أربكت مرارًا حسابات الطرف المقابل.
ووزارة الخارجية، بصفتها الجهة المنفذة للمفاوضات، تتحدث اليوم من موقع راسخ يستند إلى هذا الإجماع. الدور الذي تضطلع به عُمان ودول إقليمية أخرى في تسهيل هذا المسار يبرهن على أن الدبلوماسية الإقليمية قادرة على أن تكون بديلًا للتدخلات العابرة للأقاليم. وترى طهران أن قضايا المنطقة ينبغي أن تُحل بأيدي أبناء المنطقة أنفسهم؛ وهي رؤية قادرة، إذا ما أُخذت على محمل الجد، على فتح صفحة جديدة من الاستقرار.
ما يجري اليوم في مسقط ليس مجرد نقاش تقني حول أجهزة الطرد المركزي، بل اختبار حقيقي لمدى واقعية الولايات المتحدة. فهل ستختار واشنطن تحمّل كلفة سياسة الضغط، أم تسلك الطريق العقلاني المتمثل في رفع العقوبات واحترام حقوق إيران؟ الإجابة عن هذا السؤال سترسم ملامح مستقبل المفاوضات.
إيران دخلت هذا الاختبار بذاكرة تاريخية حاضرة ورؤية متطلعة إلى المستقبل؛ لا متسرعة ولا منفعلة، بل بميزان دقيق للمصالح الوطنية. ويمكن لمسقط أن تكون نقطة عبور من حالة الجمود، إذا أدرك الطرف الآخر أنه يواجه شعبًا يتقن لغة الحوار بقدر ما يفهم منطق الصمود. هنا، الدبلوماسية ليست ظلًّا للضعف، بل امتدادًا للقوة.