الحرب مع إيران وتفكيك شبكة المصالح الأميركية من الشرق الأوسط إلى وول ستريت
أفادت وکالة آنا الإخباریة، تقدّم وسائل الإعلام في الغالب صورة مبسّطة ومحدودة عن حرب محتملة بين إيران والولايات المتحدة: عدد من القواعد العسكرية، أهداف عسكرية محددة، وضربات متبادلة. غير أن الواقع الاستراتيجي في المنطقة أعمق بكثير من هذه السيناريوهات السطحية.
فالحضور الأميركي في الشرق الأوسط يشبه شبكة عنكبوت معقّدة، تمتد خيوطها ليس فقط إلى القواعد العسكرية، بل أيضاً إلى مسارات الطاقة، والعقود الاقتصادية، والسياسات الداخلية لدول المنطقة. وفي حال اندلاع مواجهة، لا يقتصر هدف إيران على استهداف القواعد فحسب، بل يتعداه إلى اختراق هذه الشبكة المعقّدة وإحداث اضطراب في جميع مستوياتها.
يمكن تصنيف المصالح الأميركية في المنطقة ضمن أربعة محاور رئيسية: الأمن، والطاقة، والاقتصاد، والنفوذ الجيوسياسي. فمن التحكم في تدفقات النفط والغاز، إلى الوجود العسكري والسياسي، تمثل هذه المصالح ركائز يمكن أن تتعرّض للانهيار في وقت قصير.
ويرتبط الاقتصاد الأميركي أيضاً بعقود التسلح والاستثمارات وتشابك اقتصادات دول النفط مع المنظومة الأميركية، ولا يمكن إغفال استثمارات شخصيات نافذة، من بينهم دونالد ترامب وجاريد كوشنر وآخرون. أما على المستوى الجيوسياسي، فتجد الولايات المتحدة نفسها أمام تحديات المنافسة مع روسيا والصين، وإدارة تحالفاتها الإقليمية، والحفاظ على النظام الذي تسعى إلى تكريسه في المنطقة.
من المواجهة المحدودة إلى الحرب الشبكية:
تدرك إيران، بحكم خبرتها التاريخية وقدراتها العسكرية والسياسية، أن الاكتفاء باستهداف القواعد الأميركية يشكّل مواجهة محدودة وقصيرة الأمد. فطهران قادرة، عبر نفوذها الإقليمي، وقدراتها الصاروخية، وسيطرتها على مضيق هرمز، على إحداث اضطراب واسع في مسارات الطاقة والاقتصاد وأمن المنطقة. وحتى أي هجوم محدود على قاعدة أميركية يشبه إلقاء حجر في بحيرة شاسعة، تتسع موجاته لتطال الدول المجاورة والتيارات الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحرب مع إيران تتجاوز كونها مواجهة عسكرية مباشرة، لتتحول إلى معركة استراتيجية تهدف إلى رفع كلفة الوجود الأميركي في المنطقة.
وتؤكد التجارب التاريخية أن التركيز الحصري على الأهداف العسكرية، من دون احتساب أبعاد الشبكة الاقتصادية والسياسية الأميركية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فإيران قادرة، من خلال إدارة الضغط الإقليمي، على توجيه ردود فعل متسلسلة تفضي إلى فرض كلفة قصوى على الولايات المتحدة والدول المستضيفة لقواعدها ومعدّاتها العسكرية. وتشمل هذه الشبكة دولاً مثل العراق والكويت والبحرين والسعودية والإمارات وقطر ولبنان، وحتى سوريا. وعليه، فإن أي عمل عسكري، من منظور طهران، سيكون واسع النطاق ومتعدد المستويات، لا محدوداً أو موضعياً.
الطاقة ومضيق هرمز: اللعب على الحافة:
تُعد مسارات الطاقة واستقرار سوق النفط والغاز العالمي من أكثر نقاط الضعف حساسية في المصالح الأميركية بالمنطقة. إذ يمر عبر مضيق هرمز يومياً أكثر من خُمس نفط العالم، وتعتمد كبرى الاقتصادات العالمية على أمنه. وأي تحرك عسكري ضد إيران من شأنه زعزعة هذا الشريان الحيوي، ما يضطر الولايات المتحدة إلى حشد مواردها ليس فقط لحماية قواعدها، بل أيضاً لضمان استمرار تدفق الطاقة.
وتمتلك إيران، من خلال أدواتها الاستراتيجية في المضيق، القدرة على رفع كلفة الوجود والمغامرة الأميركية بشكل كبير، وتعديل موازين الصراع لمصلحتها.وتؤكد هذه المعطيات أن الحرب مع إيران لا يمكن أن تكون محدودة. فكل تحرك جزئي ستكون له انعكاسات واسعة على أسواق الطاقة، والاقتصاد الإقليمي، والأمن العالمي.
ومن هذا المنظور، تستطيع طهران تصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة على المستويين الإقليمي والدولي، بما يخرج الصراع حتماً عن إطار “الحرب المحدودة”. إنها ميزة استراتيجية لا تستطيع الصورة الإعلامية المبسّطة لما يسمى “الضربة المحدودة” أن تعكسها أو تُظهر أبعادها الحقيقية.