إيران تُطلق العنان للهجوم؛ هل حان وقت "المفاوضات المسلحة"؟
أفادت وکالة آنا الإخباریة، في الأشهر الأخيرة، كرر سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني، عبارة "إذا جرت مفاوضات مع الولايات المتحدة هذه المرة، فستكون بالتأكيد مفاوضات مسلحة"، ثلاث مرات على الأقل، بما في ذلك في مقابلات مع وكالتي أنباء فينيكس وفرانكفورتر ألجماينه.
في إحدى المرات، خلال لقاء مع مجموعة من الصحفيين على هامش المؤتمر الدولي "القانون الدولي في ظل العدوان: العدوان والدفاع" الذي عُقد في 15 نوفمبر/تشرين الثاني، شرح عبارة "سنكون جميعًا على أهبة الاستعداد". قال: "في حالة استخدام الطرف الآخر لجميع أسلحته العسكرية ضد دول أخرى، وحشد موارده في إطار تهديد، يستحيل الحديث عن مفاوضات نزيهة. لذا، إذا جرت مفاوضات مع الولايات المتحدة في إطار الشروط المعلنة، فستكون بلا شك مفاوضات مسلحة؛ مفاوضات لا تثق فيها إيران بالطرف الآخر، ومستعدة لاتخاذ إجراءات فعّالة ضد أي خداع محتمل."
في ذلك الوقت، فُسِّرت كلمة "مسلح" على أنها "انعدام ثقة وريبة". أما اليوم، ومع التطورات المتسارعة، بما في ذلك التواجد البحري الأمريكي في المنطقة، والضغط على إيران للخضوع لشروط واشنطن النووية والصاروخية، بات من الأسهل بكثير فهم معنى "المفاوضات المسلحة"، التي كانت تُنقل سابقًا إلى وسائل الإعلام تحت ستار الدبلوماسية.
مفاوضات تحت مظلة الردع
الآن، وضع سيد عباس عراقجي، رئيس الجهاز الدبلوماسي، الاعتبارات جانبًا، وردًا على تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التهديدية التي قال فيها: "الوقت ينفد؛ أبرموا الصفقة"، وتصريحه الأخير: "أعتزم التفاوض مع إيران"، قال: قواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد.
وبهذا، ذكّر عراقجي الطرف الآخر مجددًا بأن الميدان والدبلوماسية متكاملان في إيران؛ وهو تحذيرٌ أكّده على الفور كاظم غريب آبادي، نائب وزير الشؤون القانونية والدولية بوزارة الخارجية، بهذا التصريح: أولويتنا القصوى هي الجاهزية الكاملة للدفاع. حتى لو تم تهيئة الظروف للمفاوضات، ونظرًا لتاريخ الخداع الأمريكي، ستحافظ طهران على جاهزيتها الكاملة للدفاع.
في هذا السياق الجديد، يكتسب قول خطيب زاده معنىً مختلفًا
في هذا السياق، لم تعد "المفاوضات المسلحة" مجرد استعارة دبلوماسية؛ إنه وصف دقيق لمشهد حقيقي تصطف فيه حاملات الطائرات الأمريكية في مياه المنطقة، ويتحدث الرئيس الأمريكي عن "استعداده للحوار" بينما يهدد بـ"هجوم أشدّ وطأة". هنا يصطدم ما يُزعم أنه دبلوماسية واشنطن بواقعها العسكري.
لكن إيران غيّرت قواعد اللعبة بالفعل. فعندما يقول غريب آبادي إن "أي هجوم أمريكي محدود سيُقابل بردٍّ مناسب"، ويوضح أن "أولوية طهران ليست الحوار مع الولايات المتحدة، بل الاستعداد التام للدفاع عن البلاد"، فإنه في الواقع يرتقي بمقترح خطيب زاده نفسه من المستوى النظري إلى مستوى الاستراتيجية العملياتية: فإذا كان لا بد من حوار، فسيكون في إطار الردع، لا بديلاً عنه.
رد فعل المنطقة السلبي على دبلوماسية الترهيب
هنا ينهار مشروع ترامب السردي. يحاول الرئيس الأمريكي تصوير نفسه على أنه "مفاوض صبور" مُضطر لممارسة الضغط في مواجهة "العناد الإيراني". لكن في الوقت نفسه، عندما يقول، في إشارة إلى هجمات الصيف الماضي على المنشآت النووية الإيرانية، "الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير"، فإنه يُقرّ فعلياً بأن ما طرحه ليس اتفاقاً، بل تهديداً.
في غضون ذلك، يُعدّ دخول تركيا كوسيط محتمل مؤشراً على قلق القوى الإقليمية إزاء المسار الخطير الذي سلكته واشنطن. إن عرض تركيا للوساطة، الذي طُرح اليوم في مكالمة هاتفية بين الرئيس رجب طيب أردوغان ونظيره الإيراني مسعود بيزيزكيان، هو في الواقع محاولة لإخراج القضية الإيرانية من دائرة التهديدات وإعادتها إلى حيز الدبلوماسية الحقيقية.
وقد حذّرت تركيا منذ بداية تصاعد التوترات بين طهران وواشنطن من أن مسار التهديدات لا يُفضي إلى اتفاق فحسب، بل يقود المنطقة أيضاً نحو انفجار.
في الوقت نفسه، أشار عراقجي، في مؤتمر صحفي مشترك عُقد اليوم الجمعة 10 فبراير/شباط في إسطنبول، إلى هذا التفاهم الإقليمي، محذراً من أن "أمن أي دولة في المنطقة هو أمن المنطقة بأسرها، وأن انعدام الأمن والحرب سيؤديان إلى حرب في المنطقة بأكملها".
وبالتالي، فإن إصرار واشنطن على الدبلوماسية القائمة على التهديد ليس مجرد ضغط ثنائي على إيران، بل هو أيضاً لعبة بأمن الشرق الأوسط برمته.
العمل الميداني والدبلوماسية وجهان لعملة واحدة
على النقيض من نموذج "محاولة فرض اتفاق بالترهيب" الذي تبناه البيت الأبيض، اختارت إيران، التي ترى جهود جيرانها في احتواء الأزمة، خيار "المفاوضات في ظل الردع".
هذا يعني أنه طالما استمر ترامب في إرسال السفن والحديث في الوقت نفسه عن "الحوار"، فإن طهران ستتمسك أيضاً بمبدأ "المفاوضات المسلحة". مبدأ يمكن تلخيص جوهره في هذه الجملة: "لم نكن ولن نكون نرغب في الحرب، لكننا سنردّ ردًا قاسيًا على أي عمل عسكري".واليوم، استجابةً لحسن نية نظيره التركي، هاكان فيدان، الذي يسعى إلى إعادة صياغة "العلاقات بين طهران وواشنطن على أسس جديدة" ويعتبر استئناف المحادثات أمرًا بالغ الأهمية.