کيف غيّرت إيران معادلة القرار الأمريكي؟
أفادت وکالة آنا الإخباریة، التقرير يوضح أن إيران لم تعد الهدف السهل الذي كانت عليه قبل عقد من الزمن، بعد تطور قدراتها الصاروخية من حيث العدد والدقة والمدى والقدرة على تنفيذ هجمات متزامنة، ما جعل القواعد الأمريكية في الخليج مكشوفة أمام رد محتمل واسع، ورفع كلفة أي مواجهة إلى مستوى لا يضمن لواشنطن نصرًا سريعًا أو حاسمًا.
ما يميّز مقال التلغراف -رغم انحياز الصحيفة الواضح للسياسات الغربية وعدائها التقليدي لإيران- أنه يقرّ بحقيقة بات من الصعب إنكارها داخل مراكز القرار الغربي:فإيران لم تمنع الحرب بالخطاب، بل بتغيير ميزان الكلفة والربح.
هذه الخلاصة ليست تفصيلًا، بل تمثل تحوّلًا في طريقة تفكير واشنطن نفسها تجاه طهران.
أولًا: التحول العسكري الإيراني من الردع الرمزي إلى الردع الفعلي. فقبل 10–15 سنة، كانت إيران تملك صواريخ محدودة العدد ذات دقة منخفضة نسبيًا. وقدراتها على الضرب المتزامن ضعيفة. وتعتمد أكثر على “الردع النفسي” لا العملي.
اليوم تغيّرت المعادلة جذريًا من حيث الكم والدقة والتزامن. فإيران لم تطوّر سلاحًا واحدًا، بل منظومة كاملة:آلاف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. مع تحسن ملحوظ في الدقة. وقدرة على الإطلاق المتزامن من منصات متعدد مع تكتيك الإشباع الصاروخي الذي يُنهك الدفاعات الجوية. وهنا بيت القصيد:الدفاعات الجوية لا تُهزم بالاختراق، بل بالإغراق.
من جهة اخرى تحولت الجغرافيا من نقطة ضعف إلى سلاح. فالانتشار الجغرافي للقواعد الأمريكية في الخليج بُني في مرحلة تاريخية كانت فيها إيران عاجزة عن الضرب الدقيق، والضرب المتعدد، والضرب المستمر
أما اليوم: فقطر، البحرين، الكويت، والإمارات تقع جميعها ضمن مدى نيران مباشر. ولا يمكن تحييدها جميعًا في ضربة واحدة. ولا يمكن حماية كل نقطة فيها في وقت واحد. هذا يعني أن أي حرب مع إيران لن تكون نظيفة ولا محصورة.
ثانيًا: الردع الإيراني ليس صاروخيًا فقط
خطأ بعض القراءات الغربية -رغم اعترافها بقوة الصواريخ- أنها تختزل الردع الإيراني في البعد العسكري التقليدي. في الواقع، الردع الإيراني متعدد الطبقات: فهناك الصواريخ باليستية والدقيقة. بالإضافة إلى قدرات بحرية في مضيق هرمز. وشبكات حلفاء إقليميين (العراق، لبنان، واليمن…). وقدرة على ضرب الطاقة والأسواق لا الجيوش فقط.
هذا يعني أن الرد: ليس بالضرورة فوريًا. وليس بالضرورة متماثلًا. وقد يكون طويل النفس وموزعًا زمنيًا. وهذا هو أسوأ كابوس لأي إدارة تبحث عن “ضربة حاسمة”.
ثالثًا: ترامب ومنطق الصفقة لا الحرب: التلغراف تصيب حين تركز على شخصية ترامب، لأن القرار هنا شخصي بقدر ما هو مؤسساتي. فاترامب لا يؤمن بالحروب الطويلةلا يريد صور توابيت جنود. ولا يحتمل حربًا ترفع أسعار النفط. ولا يريد تورطًا إقليميًا يخرج عن السيطرة.
منطق ترامب بسيط:إما نصر واضح وسريع… أو لا شيء. وإيران -كما يقر المقال- لا تضمن له هذا النوع من النصر.فأي ضربة ستقابل برد، وستفتح سلسلة تصعيد. وقد تنتهي دون “مشهد انتصار” واضح يمكن تسويقه انتخابيًا. وهذا وحده كافٍ لردع رئيس يفكر بمنطق الصفقة.
رابعًا: العامل الخليجي الصامت لكنه حاسم: ما لا تقوله التلغراف صراحة، لكنه حاضر في الخلفية، هو قلق دول الخليج نفسها.هذه الدول: تستضيف القواعد، وهي التي ستدفع الثمن الأول لأي رد إيراني، وهي تخشى انهيار الأمن والطاقة والاستثمار. بمعنى آخر: حتى الحلفاء لا يريدون هذه الحرب. وهذا يجعل واشنطن أمام معضلة: حرب لا يريدها الخصم، ولا يتحمس لها الحليف.
خامسًا: ما الذي يعنيه هذا استراتيجيًا؟ المقال، رغم عدائه لإيران، يقرّ ضمنيًا بثلاث حقائق كبيرة: ان زمن الضربات السهلة انتهى. وان التفوق العسكري لم يعد ضمانة للنصر السياسي. وثالثا ان الردع يُبنى بالقوة لا بالخطاب.
وهذه حقائق تغيّر قواعد الاشتباك في المنطقة كلها، لا في الملف الإيراني فقط. نخلص إلى أن ما تقوله التلغراف -من حيث لا تريد- هو اعتراف بأن إيران لم تُرهب واشنطن، ولم تُقنعها أخلاقيًا، ولم تحمِ نفسها بالدبلوماسية وحدها، بل فرضت نفسها كمعادلة كلفة لا يمكن تجاهلها. وهذا هو جوهر الردع الحقيقي: أن تجعل الحرب خيارًا أسوأ من عدمها