محمد خليل لـ«آنا»: الأفلام المناهضة للاستعمار في مهرجان المقاومة تكشف عن قلق مشترك بين الشعوب
أفادت وکالة آنا الإخباریة، قال المخرج العراقي محمد خليل، عضو لجنة تحكيم القسم الدولي للدورة التاسعة عشرة من مهرجان أفلام المقاومة الدولي، إن مشاركته في المهرجان للمرة الأولى، بصفته محكّماً في فئة الأفلام الوثائقية، تمثل تجربة جديدة بالنسبة إليه، رغم مشاركته سابقاً في مهرجانات سينمائية أخرى في إيران.
وأضاف خليل، في حديث إلى مراسل وكالة أنباء «آنا»، أن أهمية إنتاج الأفلام المرتبطة بالحرب والمقاومة وعرضها على المستوى الدولي ازدادت في ظل التحولات التي شهدها العالم منذ السابع من أكتوبر، معتبراً أن التطورات اللاحقة، بما فيها الحرب بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أسهمت في إبراز جوانب إضافية من الواقع السياسي والإعلامي في المنطقة.
وأوضح أن الأعمال التي شاهدها ضمن القسم الدولي جاءت من دول مختلفة، وسعت، كلٌّ من منظورها الخاص، إلى تصوير واقع الاستعمار وتداعياته على الشعوب والمجتمعات.
الإعلام الغربي وتأثيره في الرأي العام
وانتقد خليل اتساع نفوذ وسائل الإعلام الغربية في الدول الإسلامية، معتبراً أن كثافة حضورها تؤثر في مستوى اطلاع قطاعات من الجمهور على الأحداث والحقائق الجارية، في حين يرى أن المجتمعات الغربية تمتلك معرفة أكبر ببعض جوانب هذه القضايا.
وأشار إلى حوار أجراه مؤخراً مع أحد أصدقائه في أوروبا، تناول فيه ظاهرة إنتاج بعض المخرجين من الشرق الأوسط أعمالاً تنتقد بلدانهم ومجتمعاتهم، خصوصاً عندما يسعون إلى المشاركة في مهرجانات دولية مثل البندقية وكان، أو الوصول إلى المنافسة على جوائز الأوسكار.
وبحسب خليل، فإن بعض المشاهدين الأوروبيين أنفسهم ينتقدون هذا التوجه، انطلاقاً من اعتقادهم بأن على صانع الأفلام ألا يتخذ موقفاً معادياً لشعبه أو وطنه. وأشار إلى أن هذه الظاهرة قد ترتبط، في بعض الحالات، بتأثير وسائل الإعلام، فيما قد تتصل في حالات أخرى باعتبارات ومصالح شخصية.
تجارب سينمائية من قارات مختلفة توحّدها مواجهة الاستعمار
وفي تقييمه للأعمال المشاركة في الدورة الحالية، وصف خليل مشاهدة أفلام قادمة من أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى بأنها تجربة مهمة، لافتاً إلى وجود قاسم مشترك بين عدد كبير منها، يتمثل في تناول المقاومة وتأثير الاستعمار في حياة الشعوب، رغم الاختلافات الثقافية والجغرافية.
وقال إن هذه الأعمال قدمت صوراً متعددة لما خلّفه الاستعمار خلال القرن الماضي في بلدان ومجتمعات مختلفة، مؤكداً أن هذه التجربة التاريخية لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى مناطق عديدة من العالم.
وضرب مثالاً بفيلم من كينيا تناول نشأة مسرح مناهض للاستعمار، موضحاً أن العمل لفت انتباهه لأنه أظهر كيف تتجلى قضايا الاستعمار والمقاومة في سياقات ثقافية واجتماعية متباينة، مع احتفاظها بأبعاد إنسانية مشتركة.
ملايين المشاهدات للأفلام الإيرانية في العراق
وفي حديثه عن مكانة السينما الإيرانية في العراق، أكد خليل أن هذه السينما معروفة على المستوى الدولي، ولديها قاعدة جماهيرية واسعة في بلاده أيضاً، مشيراً إلى أن نشاطه في مجال إنتاج المحتوى السينمائي أتاح له متابعة تفاعل الجمهور العراقي مع الأفلام الإيرانية بصورة مباشرة.
وأوضح أنه ينشر عبر صفحته المتخصصة في تقديم الأفلام ومراجعتها محتوى يتناول أعمالاً إيرانية، ويحظى بتفاعل كبير، إذ تصل مشاهدات بعض المنشورات المتعلقة بهذه الأفلام إلى ملايين المشاهدات.
وأضاف أن المحتوى الذي يقدمه عن الأفلام الأميركية والأوروبية لا يحقق، في بعض الأحيان، مستويات التفاعل نفسها التي تسجلها المنشورات المتعلقة بالسينما الإيرانية.
وعزا خليل هذا الاهتمام إلى الطابع الإنساني الذي يميز عدداً من الأعمال الإيرانية، ولا سيما الأفلام التي تتناول الضمير الإنساني والقيم الأخلاقية والعلاقات البشرية.
وشدد على أن هذه الأعمال تمتلك فرصاً أوسع للوصول إلى جمهور خارج إيران، داعياً الجهات المعنية بالسينما الإيرانية إلى تعزيز خطط التوزيع والعرض في الأسواق الخارجية، وخصوصاً السوق العراقية، بما يتيح للجمهور الوصول إليها بصورة أكبر.
السينما العراقية بين الإنتاج الحكومي والأفلام الموجهة للمهرجانات
وفي معرض حديثه عن واقع السينما العراقية، رأى خليل أن تاريخها الحديث يمكن تقسيمه إلى مرحلتين، قبل عام 2003 وبعده. وأوضح أنه قبل سقوط نظام صدام حسين، كان الإنتاج السينمائي خاضعاً بدرجة كبيرة للمؤسسات الحكومية، وكانت غالبية الأعمال تُنتج في إطار توجهات النظام الحاكم. أما بعد عام 2003، فقد اتسعت فرص ممارسة العمل السينمائي أمام شرائح أكبر، رغم استمرار القيود التي تحد من حرية تناول بعض الموضوعات.
وأشار إلى وجود جيل شاب من صناع الأفلام في العراق، ينقسم، بحسب وصفه، إلى اتجاهات متعددة؛ إذ يعمل بعضهم على إنتاج أفلام تحظى باهتمام المهرجانات الغربية، فيما يتجه آخرون إلى تناول قضايا المجتمع واهتمامات المواطنين، لكن أعمال الفئة الثانية لا تحصل دائماً على مستوى الانتشار الذي تستحقه.
وعدّ خليل ابتعاد جانب من الإنتاج السينمائي عن أذواق الجمهور العام إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه السينما العراقية، موضحاً أنها لم تتحول بعد إلى صناعة محلية واسعة الانتشار قادرة على بناء علاقة مستدامة مع المشاهدين.
وقارن في هذا السياق بين العراق وإيران، مشيراً إلى أن ارتياد دور السينما أصبح عادة راسخة لدى قطاعات من الجمهور الإيراني، في حين لم تتشكل في العراق علاقة جماهيرية مماثلة مع السينما الوطنية.
وأضاف أن نسبة كبيرة من الأفلام العراقية المنتجة خلال نحو عقدين اتجهت إلى المهرجانات السينمائية، من دون أن تنجح بالقدر الكافي في جذب الجمهور العريض.
وأكد أن الجمهور لا يقتصر اهتمامه على الأفلام الفنية أو المهرجاناتية، بل يبحث أيضاً عن أعمال ذات جذور محلية، وأفلام الحركة والرومانسية التي تتصل بحياته وتفضيلاته اليومية. وحذّر من أن التركيز المفرط على الإنتاج الموجه للمهرجانات قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السينما الوطنية والجمهور.
القطاع الخاص يتولى الجزء الأكبر من عروض السينما في العراق
وفي ما يتعلق ببنية العرض السينمائي، قال خليل إن وزارة الثقافة العراقية تمتلك عدداً من دور السينما والقاعات، غير أن عرض الأفلام يجري في الغالب عبر دور السينما التابعة للقطاع الخاص، ولا سيما تلك الموجودة داخل المجمعات التجارية.
وأوضح أن الأفلام العالمية الحديثة، وخصوصاً الأميركية منها، تصل إلى الشاشات العراقية في توقيتات متقاربة مع عروضها في بلدان أخرى، وهو ما يسهم في استمرار اهتمام الجيل الجديد بالذهاب إلى السينما ومتابعة الأعمال العالمية المعروفة.
ولفت إلى أن الأجيال العراقية الأكبر سناً كانت أكثر ارتباطاً بالسينما في مراحل سابقة، إلا أن هذه العلاقة تراجعت تدريجياً نتيجة نقص الأفلام العراقية التي تلبي احتياجات الجمهور وتفضيلاته، بينما يُظهر الجيل الجديد اهتماماً أكبر بمشاهدة الإنتاجات العالمية في دور العرض.
خليل يأمل استمرار مهرجان أفلام المقاومة
وفي ختام حديثه، أعرب خليل عن تقديره لإدارة مهرجان أفلام المقاومة الدولي لإتاحة الفرصة له للمشاركة في دورته التاسعة عشرة، معرباً عن أمله في استمرار المهرجان وتنظيم دورات مقبلة تتيح للجمهور والسينمائيين الاطلاع على أعمال متميزة من إيران ومختلف دول العالم.
وأكد أن استمرار مثل هذه الفعاليات يتيح مساحة للتبادل السينمائي والثقافي، ويساعد على التعرف إلى تجارب الشعوب المختلفة في معالجة قضايا الاستعمار والمقاومة والإنسان.