ضيوف دوليون وثلاث ورش نوعية في ثالث أيام مهرجان أفلام المقاومة
أفادت وکالة آنا الإخباریة، تواصلت فعاليات اليوم الثالث من الدورة التاسعة عشرة لمهرجان أفلام المقاومة الدولي من خلال تنظيم ورش عمل متخصصة لتبادل الخبرات وجلسات نقاشية، فيما استقطب حضور ضيوف ومحكّمين من العراق وتركيا اهتمام وسائل الإعلام، إلى جانب البرامج التعليمية والفنية.
وخلال فعاليات هذا اليوم، وجّه الصحفيون أسئلة إلى الضيوف الأجانب والمحكّمين العراقيين والأتراك بشأن الأفلام المشاركة في مختلف أقسام المهرجان، مستطلعين آراءهم حول مستوى الأعمال وجودة التنظيم. وأشار بعض الضيوف، في تقييماتهم، إلى تحسن مستوى الأفلام في الدورة التاسعة عشرة، وهو ما يعكس أهمية تعزيز التواصل وتبادل الخبرات بين السينمائيين من مختلف البلدان.
ومن المقرر أيضاً أن يشارك ضيوف من روسيا في برامج المهرجان بالتزامن مع فعاليات يومه الثالث، في خطوة من شأنها توسيع نطاق علاقاته السينمائية الدولية.
وفي إطار ورش تبادل الخبرات، عُقدت ثلاث جلسات متخصصة بمشاركة مسعود سخاوتدوست، الملحن في السينما والتلفزيون، وهادي مقدمدوست، الكاتب والمخرج السينمائي والتلفزيوني، ودانش إقباشاوي، الكاتب والمخرج السينمائي. وتناول كل منهم عملية الإبداع السينمائي ومتطلبات إنتاج الأفلام التي تتناول موضوع المقاومة من زاوية مختلفة.
موسيقى الفيلم: من مرافقة الصورة إلى إنتاج معنى يتجاوز السرد
استعرض مسعود سخاوتدوست، خلال ورشته المتخصصة، طبيعة موسيقى الأفلام وعلاقتها بالصورة والسرد والعالم الذهني للمخرج. وأكد، في معرض حديثه عن الفارق بين الموسيقى المستقلة والموسيقى التصويرية، أن دخول عالم السينما يتطلب من الملحن الابتعاد عن استقلالية الموسيقى بوصفها فناً قائماً بذاته، والعمل على توظيفها في تفاعل مع فن آخر.
وأوضح الملحن أن موسيقى الفيلم تبلغ أقصى فاعليتها عندما يتمكن مؤلفها من فهم العالم الذهني للمخرج ومرافقته منذ المراحل الأولى لتشكّل المشروع. واستناداً إلى تجربته في أعمال شارك فيها منذ مرحلة الفكرة، وأخرى أُنجزت موسيقاها في الأيام الأخيرة من الإنتاج، اعتبر أن بدء التعاون بين الملحن والمخرج في وقت مبكر يمثل أحد العوامل المهمة للوصول إلى نتيجة فنية ناجحة.
وأشار سخاوتدوست إلى أن ترجمة مشاعر المخرج ورغباته إلى لغة موسيقية تمثل أحد أبرز تحديات هذا التعاون. وأوضح أن تعبيرات مثل «الأمل الممزوج بالحزن» لا تصبح قابلة للترجمة الموسيقية بصورة دقيقة إلا عندما يتمكن المخرج من شرح العالم العاطفي والسردي الذي يريد التعبير عنه بوضوح واتساق.
ورأى أن التفاهم النفسي والقدرة على الإدراك المتبادل يشكلان العامل الأهم في نجاح العلاقة بين الفنانين، مشدداً على أن معرفة المصطلحات الموسيقية وحدها لا تكفي لضمان تعاون مثمر.
كما أكد ضرورة الإلمام بمختلف الأنماط الموسيقية، موضحاً أن معرفة موسيقى الروك والبوب والموسيقى التقليدية والمحلية والممزوجة تتيح للملحن خيارات أوسع. وبحسب رأيه، فإن العمل في أنواع موسيقية متعددة يساعد الملحن على ابتكار لغة موسيقية تتناسب مع طبيعة كل فيلم وعالمه الفني.
واحتلت الموسيقى في سينما الحرب والأعمال الملحمية جانباً مهماً من الورشة. واستناداً إلى تجربته في فيلم «موقع مهدي»، أوضح سخاوتدوست أن موسيقى الحرب لا تتطلب بالضرورة استخدام الآلات الإيقاعية بكثافة أو الاعتماد على مستويات صوتية مرتفعة وإيقاعات حماسية؛ إذ يمكن للتباين بين الصورة الحربية والموسيقى الرقيقة أن يترك أثراً عاطفياً أعمق لدى المشاهد.
وتطرق كذلك إلى مفهوم الملحمة في الثقافة الإيرانية، مستشهداً بنماذج من «الشاهنامة»، مؤكداً أن انتصار البطل لا يقتصر على التفوق الجسدي، بل يشمل بقاء أفكاره وقيمه الأخلاقية واستمرار نهجه. ومن هذا المنظور، يمكن لنهاية الحكاية الملحمية أن تركز على استمرارية المعنى والرسالة التي يجسدها البطل، بدلاً من الاقتصار على موته الجسدي.
وفي سياق آخر، شرح سخاوتدوست ثلاثة أنماط لوظيفة الموسيقى في الفيلم: الترميمية والمرافقة والتأليفية. ففي النمط الترميمي، تعوّض الموسيقى بعض أوجه القصور في الأداء التمثيلي أو المونتاج أو نقل المشاعر؛ أما في النمط المرافق، فتسهم في تعزيز جودة العمل، بينما تضيف الموسيقى التأليفية معنى جديداً إلى الصورة لم يكن موجوداً فيها من قبل.
وشدد الملحن أيضاً على أهمية الصمت، موضحاً أن الفيلم المتكامل لا يحتاج بالضرورة إلى الموسيقى في جميع مشاهده. ووفقاً لرأيه، فإن الحد من استخدامها في الأعمال التي تسعى إلى تصوير الواقع الملموس قد يعزز مصداقية العالم السينمائي، في حين تتيح الموسيقى أحياناً تجاوز الواقع الظاهري والوصول إلى طبقات أعمق من المعنى.
كما تناول السينما الموسيقية والتفاعل بين الملحن والمخرج والمونتير ومهندس الصوت، موضحاً التأثير المتبادل لهذه التخصصات خلال مرحلة ما بعد الإنتاج. واختتم ورشته بالتوصية بكتاب «فهم الموسيقى وتذوقها» للمؤلف روجر كاميَن، بوصفه مدخلاً أولياً للمخرجين الراغبين في التعرف إلى المفاهيم الموسيقية.
هادي مقدمدوست: على صانع الأفلام أن يستخلص أفكاره من تفاصيل الحياة
تناولت ورشة تبادل الخبرات الثانية، التي قدمها هادي مقدمدوست، موضوعات توليد الأفكار والاقتباس والإبداع وتشكّل العالم الشخصي لصانع الأفلام. وأكد أن عملية اكتشاف الفكرة لا يمكن تجاوزها حتى عند اقتباس عمل أدبي وتحويله إلى فيلم.
وأوضح الكاتب والمخرج أن الاقتباس لا يعني مجرد تحويل كتاب إلى سيناريو، بل يتطلب من صانع الفيلم اكتشاف العنصر أو الشخصية أو الموقف أو الرؤية الفكرية التي أثرت فيه في العمل الأصلي. وأضاف أن مصادر الإلهام لا تقتصر على الكتب والقصص، بل قد تشمل الشعر والرسم والأمثال والمقالات والشخصيات، بل وحتى الأحداث البسيطة في الحياة اليومية.
واعتبر مقدمدوست أن القدرة على الملاحظة من أهم المهارات التي ينبغي أن يمتلكها صانع الأفلام. واستعان بأشياء بسيطة موجودة في قاعة الورشة لتوضيح أن الكاتب والمخرج لا ينبغي أن يكتفيا بتسمية الأشياء، بل عليهما فهم مكوناتها وموادها وبنيتها ووظائفها والعلاقات القائمة بينها.
وشبّه السيناريو ببنية متكاملة ينبغي أن ترتبط عناصرها بعضها ببعض بصورة عضوية، موضحاً أن فهم العلاقات بين المكونات المختلفة يساعد الكاتب على تنظيم الشخصيات والمواقف والأحداث والسرد ضمن بناء متماسك.
كما طرح مفهوم «الخيال المسلح»، مشدداً على ضرورة ربط الإبداع بالمعرفة والخبرة. وأوضح أن خيال الفنان يكتسب قوة أكبر عندما يستند إلى الملاحظة الدقيقة والفهم والوعي.
وتناول جانب آخر من الورشة الفروق بين توليد الأفكار للأفلام القصيرة والطويلة. وأكد مقدمدوست أن الفيلم القصير لا يخضع بالضرورة لقواعد ثابتة، مثل وحدة المكان والزمان أو وجود عدد محدود حتماً من الشخصيات، مشيراً إلى أن كثيراً من الأفكار الناجحة في هذا النوع السينمائي تنشأ من مواقف صغيرة وتفاصيل تبدو بسيطة في الحياة اليومية.
وأضاف أن على صانع الفيلم القصير تنمية قدرته على التقاط اللحظات الإنسانية الدقيقة، وألا يفترض أن الأحداث الكبرى وحدها تصلح موضوعاً لعمل سينمائي.
وفي حديثه عن الهوية الفنية، اعتبر مقدمدوست أن العالم الشخصي والبصمة الإبداعية للفنان ينبعان من رؤيته الخاصة للعالم وموقفه منه. وأوضح أن الفنان لا ينبغي أن يكتفي بمراقبة الواقع، بل عليه أيضاً أن يقدم قراءته وتحليله له، محذراً من أن إلغاء رأي الفنان وموقفه تماماً قد يحوّل العمل الفني إلى مجرد إعادة إنتاج للواقع أو نقل خبر محايد.
وفي ما يتعلق بسينما المقاومة وتجربة الحرب، أكد مقدمدوست أن صناعة فيلم عن المقاومة لا تستلزم بالضرورة الحضور المباشر في ميدان القتال، بل تتطلب ارتباطاً حقيقياً بالأسس الفكرية والقيمية للمقاومة، ومنها الكرامة والدفاع عن الحق والاستقلال والصمود.
وأضاف أن البحث التاريخي والميداني ضروري لفهم الموضوع، لكن أصالة العمل تتحقق عندما لا يكون الموضوع مجرد تكليف خارجي لصانع الفيلم، بل ينبع السرد من قناعاته وتجربته الداخلية.
واختتم مقدمدوست حديثه بتناول مفهوم التشويق، موضحاً أنه لا يقتصر على اللحظات المثيرة في أفلام الإثارة، بل يشمل أيضاً الانتظار والتردد وعدم اليقين بشأن النتيجة، وهي عناصر توفر إمكانات واسعة لبناء السرد السينمائي.
دانش إقباشاوي: لكل مشهد حربي معادلته الخاصة
عُقدت ورشة تبادل الخبرات الثالثة بمشاركة دانش إقباشاوي، وركزت على إخراج مشاهد الحرب وتصميم التكوين البصري داخل المشهد، وصناعة التوتر والقلق، وبناء الأبطال، وأهمية البحث والدراسة في إنتاج الأعمال السينمائية.
وفي مستهل الورشة، أكد إقباشاوي أن الفيلم الحربي لا يتبع بالضرورة لغة فنية أو نموذجاً ثابتاً، موضحاً أن هذه الأعمال يمكن أن تأتي في قوالب متعددة، منها الملحمي والكوميدي والتراجيدي والميلودرامي والروحاني، وحتى المناهض للحرب.
واعتبر أن اختيار النبرة والأسلوب يمثل نقطة البداية في تصميم المشاهد الحربية، موضحاً أن على المخرج تحديد الشعور الذي يريد إيصاله إلى الجمهور قبل الانتقال إلى التنفيذ، سواء كان الخوف أو القلق أو الملحمة أو الحزن أو السخرية.
وتناول المخرج كذلك كيفية تصوير العدو في الأفلام الحربية، مشيراً إلى أن المبالغة في إظهار قوته قد تؤدي إلى تمجيده من دون قصد، في حين أن إضعافه بصورة مفرطة قد يحوله إلى شخصية كاريكاتورية تفقد مصداقيتها.
وأوضح إقباشاوي أن من الممكن أحياناً الاستعاضة عن الظهور المباشر للعدو بمؤشرات تدل على وجوده، مثل أصوات الانفجارات وقذائف الهاون والدمار والظلال والإضاءة الخلفية، بما يسمح بنقل أثر حضوره إلى المشاهد من دون إظهاره بصورة مباشرة.
كما اعتبر التاريخ والجغرافيا من العناصر الحاسمة في تصميم التكوين البصري للمشهد، مؤكداً أن تصوير الحرب في الجبال أو السهول أو مناطق الأهوار أو البحر أو مضيق هرمز لا يمكن أن يتبع الأسلوب نفسه. فحركة الكاميرا والمعدات والملابس، وحتى أساليب القتال، ينبغي أن تتوافق مع الظروف التاريخية والجغرافية للمكان الذي تدور فيه الأحداث.
وفي جانب آخر من الورشة، تناول إقباشاوي بناء الشخصيات وصناعة الأبطال، معرفاً البطل، بصورة مبسطة، بأنه الشخصية التي تحل العقدة الأساسية في القصة. وشدد على أهمية الاختيار الدقيق للموضوع، موضحاً أن من يرغب في إنتاج فيلم عن شهيد أو شخصية حقيقية ينبغي أن يدرس أولاً الإمكانات السردية لهذه الشخصية ومدى قابليتها للتحول إلى بطل سينمائي.
ورأى أن الجمع بين البحث والذكريات والخيال يمكن أن يسهم في بناء شخصيات ملموسة ومقنعة. فالبحث في تفاصيل مثل طريقة المشي وتناول الطعام والمزاح والعلاقات والعادات اليومية يساعد صانع الفيلم على إخراج الشخصية من إطار الرمز المجرد وإبراز أبعادها الإنسانية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة بقاء الخيال ضمن حدود الواقع التاريخي والجغرافي والفكري للشخصية، محذراً من إسناد صفات تتناقض مع هويتها الحقيقية إليها لمجرد زيادة جاذبية القصة.
وتطرقت الورشة بعد ذلك إلى كيفية خلق التوتر والقلق في المشاهد الحربية. وأوضح إقباشاوي أن استخدام الكاميرا المحمولة باليد قد يساعد على تعزيز الإحساس بالإثارة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وصفة ثابتة لكل مشاهد الحرب، لأن الإفراط في استخدامه قد يحجب عن المشاهد معلومات وتفاصيل مهمة.
وأكد ضرورة تحقيق التوازن بين اللقطات التي تقدم المعلومات وتلك التي تركز على المشاعر، موضحاً أن اللقطات الواسعة تتيح إظهار جغرافية المكان ومواقع القوات وحجم الدمار، بينما تركز اللقطات القريبة بدرجة أكبر على مشاعر الشخصيات. كما أشار إلى أن اعتماد نمط «الفعل ورد الفعل» يعد من الأدوات الفعالة في بناء الإيقاع وزيادة الإحساس بالقلق.
وفي ختام الورشة، استعرض إقباشاوي تجربته في إخراج فيلم «إسفند»، والبحوث التي أجراها بشأن عملية «والفجر المقدّماتي» ومنطقة فكه. وقال إن دراسة المصادر ومشاهدة الصور الأرشيفية وإجراء المقابلات مع الناجين من العملية وزيارة المنطقة أثرت بصورة مباشرة في تصميم اللقطات وتسلسلها البصري.
وأوضح أن نتائج هذه البحوث أسهمت في تشكيل المشهد الافتتاحي للفيلم، الذي يظهر فيه المقاتلون وهم يتراجعون، بينما يتقدم علي هاشمي باتجاه خط المواجهة، عكس اتجاه حركة الآخرين.
ثلاث رؤى متخصصة حول هاجس مشترك
أتاحت ورش العمل الثلاث، التي أقيمت في اليوم الثالث من الدورة التاسعة عشرة لمهرجان أفلام المقاومة الدولي، فرصة لمناقشة مختلف مراحل إنتاج العمل السينمائي، من تشكّل الفكرة وصولاً إلى التنفيذ النهائي.
فقد شدد مسعود سخاوتدوست على أهمية فهم العالم الفني للفيلم والتعاون بين الملحن والمخرج، فيما تحدث هادي مقدمدوست عن دور الملاحظة والتجربة الحياتية والرؤية الشخصية في توليد الأفكار، بينما أكد دانش إقباشاوي أن البحث وفهم التاريخ والجغرافيا وتجنب القوالب المتكررة تمثل متطلبات أساسية لإخراج المشاهد الحربية.
وتمثل القاسم المشترك بين الرؤى التي طُرحت في الورش الثلاث في الدعوة إلى تجاوز الصور النمطية والتعمق في فهم الموضوع والشخصيات والعالم الفني للعمل. وهو نهج يمكن أن يسهم في إنتاج أفلام عن المقاومة تتمتع بمصداقية أكبر وهوية فنية أكثر وضوحاً.
من جهة أخرى، يعكس حضور ضيوف ومحكّمين من بلدان مختلفة، وإجراء وسائل الإعلام حوارات معهم بشأن الأعمال المشاركة في هذه الدورة، قدرة المهرجان على توفير مساحة لتبادل الآراء والخبرات بين السينمائيين الإيرانيين ونظرائهم الأجانب. ويتواصل هذا التوجه مع مشاركة ضيوف من روسيا في فعاليات اليوم الثالث، بما يعزز آفاق التواصل السينمائي الدولي للمهرجان.