باحثون إيرانيون يطوّرون ناقلًا نانويًا ذكيًا لنقل الجينات
أفادت وکالة آنا الإخباریة، نفّذت سميرا داوودينيا، بإشراف وتوجيه من الدكتورة رعنا إيماني والدكتور محمد تفضلي، عضوي الهيئة الأكاديمية في الجامعة، وباستشارة الدكتور حسام مكي والدكتورة نجمة فاني، مشروعًا بحثيًا بعنوان: «دراسة التفاعل بين جين الحمض النووي (DNA) وأكسيد الغرافين المُعدَّل وظيفيًا بالبوليمرات الكاتيونية باستخدام محاكاة الديناميكيات الجزيئية».
وقدّمت داوودينيا، خريجة جامعة أمير كبير للتكنولوجيا، العلاج الجيني بوصفه أحد الأساليب الواعدة التي شهدت تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة لعلاج الأمراض الوراثية والسرطانات والاضطرابات المستعصية، موضحةً أن أساس هذه الاستراتيجية يتمثل في النقل الموجّه والفعّال للمواد الوراثية، مثل الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبي (RNA)، إلى داخل الخلايا المستهدفة، وتوجيهها عبر المسارات داخل الخلوية بهدف التعبير عن الجين المطلوب أو إسكات الجين المعيب.
وأضافت أن النجاحات الأولية في استخدام النواقل الفيروسية، على الرغم من أهميتها، لم تمنع ظهور تحديات، من بينها الاستجابات المناعية، والمخاطر المحتملة للتسرطن، وتعقيدات عمليات الإنتاج، الأمر الذي دفع الباحثين إلى التركيز على تطوير أنظمة غير فيروسية. ومع ذلك، لا تزال تحديات مثل تحلّل الأحماض النووية، وسُمّية النواقل، ومحدودية كفاءة الإطلاق داخل الخلايا، تؤدي إلى تقليص فعالية هذه الأنظمة.
وأشارت داوودينيا إلى أن اختيار النواقل المناسبة وتصميمها لحماية المواد الوراثية ونقلها بفاعلية إلى الخلايا المستهدفة يُعدّان من أبرز التحديات في مجال العلاج الجيني، مؤكدةً أن الهندسة الطبية الحيوية تؤدي دورًا مهمًا في تحسين كفاءة هذه الأنظمة العلاجية من خلال الاستفادة من تصميم النواقل النانوية.
وأوضحت خريجة جامعة أمير كبير للتكنولوجيا أن الهدف من هذا البحث يتمثل في دراسة التفاعلات الجزيئية بين المواد الوراثية والنواقل النانوية الحديثة وفهمها بصورة أعمق، نظرًا إلى دورها المهم في تفسير آليات نقل الجينات. وأضافت أن الباحثين صمّموا ونمذجوا ناقلًا نانويًا قائمًا على أكسيد الغرافين المُعدَّل وظيفيًا بالبوليمرات الكاتيونية، بهدف استخدامه نظامًا غير فيروسي فعّالًا لنقل الجينات.
وبيّنت أن نتائج الدراسة أتاحت فحص التفاعلات بين الحمض النووي (DNA) وسطح الناقل النانوي بدقة على المستوى الذري، وأسهمت في تحديد الآليات الرئيسية لعمليات الامتزاز والاستقرار والتحرر للمواد الوراثية. ويساعد هذا الفهم الجزيئي على توضيح دور نوع التعديل الوظيفي لسطح الناقل ومداه في تحديد كفاءته.
ووفقًا للباحثة، تتيح هذه الدراسة، من خلال اعتمادها على المحاكاة الجزيئية، تحليلًا أكثر دقة لتأثير البنية الكيميائية للبوليمر الكاتيوني وأكسيد الغرافين في سلوك المادة الوراثية، بما يمهّد الطريق لتصميم نواقل نانوية أكثر استهدافًا وكفاءةً وتحسينًا. وأضافت أن مخرجات البحث يمكن أن تُستخدم مرجعًا نظريًا لتطوير أنظمة نقل جيني ذات كفاءة أعلى وسُمّية أقل.
آلية تنفيذ البحث
وفي معرض حديثها عن منهجية تنفيذ المشروع، أوضحت داوودينيا أن الدراسة اعتمدت على محاكاة الديناميكيات الجزيئية (Molecular Dynamics Simulation) لفحص التفاعل بين المادة الوراثية والناقل النانوي المصمَّم. وتمثّل الهدف الرئيسي في تحليل السلوك الجزيئي للنظام وفهم الآليات التي تتحكم في امتزاز الجينات واستقرارها وتحررها بوجود ناقل نانوي قائم على أكسيد الغرافين المُعدَّل وظيفيًا بالبوليمرات الكاتيونية.
وأضافت أنه جرى، في المرحلة التالية، تحليل المعلمات الرئيسية المؤثرة في التفاعلات بين الجزيئات، بما يشمل التفاعلات الكهروستاتيكية والبنيوية والديناميكية، بهدف تحديد الظروف المثلى لتحميل الجينات بفاعلية على الناقل النانوي. وأتاحت هذه التحليلات تقييم أداء الناقل بدقة وتحديد العوامل الحاسمة في كفاءة أنظمة نقل الجينات.
وتابعت أن نتائج المحاكاة استُخدمت في نهاية المطاف لتحسين الخصائص البنيوية للناقل النانوي واقتراح تصاميم أكثر كفاءة لأنظمة نقل الجينات غير الفيروسية.
التحديات التقنية والحسابية
وحدّدت داوودينيا إعداد المعلمات الطوبولوجية والتمثيل البنيوي الدقيق لمكوّنات أنظمة المحاكاة بوصفهما من أبرز التحديات التي واجهت البحث. وأوضحت أن إنشاء بنيات طوبولوجية مستقرة ومتوافقة لوصف التفاعلات بين الناقل النانوي والحمض النووي (DNA)، ولا سيما في ظل وجود مجموعات وظيفية متنوعة على سطح أكسيد الغرافين، فرض تعقيدات حسابية وفيزيائية ملحوظة.
وأشارت إلى أن هذه المسألة استدعت، في بعض الحالات، مراجعة المعلمات والبنى وتعديلها يدويًا لتجنّب عدم الاستقرار أثناء المحاكاة.
التطبيقات العلمية والطبية والصناعية
وفيما يتعلق بمجالات الاستفادة من نتائج البحث، ذكرت داوودينيا أن الدراسة يمكن أن تخدم قطاعات متعددة من العلوم والتكنولوجيا، ولا سيما الهندسة الطبية الحيوية وتكنولوجيا النانو وإيصال الجينات، موضحةً أن تركيز البحث على تصميم النواقل النانوية القائمة على أكسيد الغرافين المُعدَّل وظيفيًا بالبوليمرات الكاتيونية يوفّر فهمًا دقيقًا لسلوك التفاعلات بين المواد الوراثية والأسطح النانوية، بما يمكن توظيفه في تطوير أنظمة عالية الكفاءة لنقل الجينات.
وأضافت أن هذه النتائج، في مجال التقنيات الطبية الحيوية، تساعد على تصميم جيل جديد من النواقل النانوية غير الفيروسية القادرة على نقل الحمضين النوويين (DNA) و(RNA) بفاعلية أكبر، مع سُمّية أقل واستقرار أعلى. ويمكن استخدام هذه الأنظمة مباشرةً في تطوير علاجات للأمراض الوراثية والسرطان، إلى جانب ابتكار أساليب جديدة للعلاج الجيني.
كما أشارت خريجة جامعة أمير كبير للتكنولوجيا إلى التطبيقات الصناعية المحتملة لمخرجات المشروع، موضحةً أن النتائج يمكن الاستفادة منها في تطوير منصات الأدوية النانوية، وأنظمة الإطلاق المتحكَّم فيه للأدوية، وتصميم مواد متوافقة حيويًا للاستخدامات السريرية.
وأضافت أن هذه النتائج يمكن أن تسهم، كذلك، في تحسين تصميم المواد النانوية المخصّصة للتفاعل الموجّه مع الخلايا ضمن الصناعات المرتبطة بهندسة الأنسجة والطب التجديدي.
وتابعت أن منهج المحاكاة الجزيئية المستخدم في البحث يمكن أن يشكّل أداة تنبؤية في التصميم الحاسوبي للنواقل النانوية قبل تصنيعها مخبريًا، الأمر الذي من شأنه تقليل تكاليف تطوير تقنيات إيصال الأدوية الحديثة واختصار الوقت اللازم لذلك.
النشر العلمي والابتكار البحثي
وعدّت داوودينيا نشر ورقة علمية في مجلة Nanoscale، وإدراجها ضمن مجموعة المقالات المتميزة Hot Article Collection، من بين الإنجازات الأخرى للمشروع البحثي.
وأوضحت أن الابتكار الأساسي في هذا العمل يتمثل في التحليل المنهجي للتفاعلات الجزيئية بين المادة الوراثية والناقل النانوي، إلى جانب تقييم المعلمات البنيوية والكيميائية المؤثرة في كفاءة نظام نقل الجينات وتحسينها.
وأضافت أن الدراسة بحثت، للمرة الأولى، وبصورة دقيقة قائمة على محاكاة الديناميكيات الجزيئية، دور نوع البوليمر المستخدم في التعديل الوظيفي لسطح أكسيد الغرافين ومدى هذا التعديل في تحديد سلوك امتزاز الحمض النووي (DNA) واستقراره على المستوى الذري.
وقالت إن البحث لا يقتصر على تقديم نموذج حسابي لفهم آليات التفاعل، بل يمكن أن يشكّل أيضًا إطارًا تصميميًا لتطوير نواقل نانوية محسّنة لتطبيقات العلاج الجيني.
الخطوات المستقبلية وآفاق التطوير
وفي ما يتعلق بالمراحل اللاحقة، ذكرت داوودينيا أن التحقق من صحة نتائج المحاكاة من خلال الدراسات التجريبية، بما يشمل الاختبارات المختبرية خارج الجسم الحي (in vitro) والدراسات على النماذج الحيوانية، وصولًا إلى تنفيذ المرحلة داخل الجسم الحي (in vivo)، يُعدّ من الخطوات التالية لاستكمال هذه الدراسات.
وأوضحت أن المشروع، الذي يستند إلى محاكاة الديناميكيات الجزيئية على المستوى الذري، يتيح فحص التفاعلات بين الناقل النانوي والمادة الوراثية بدقة. كما أن الجمع بين أكسيد الغرافين المُعدَّل وظيفيًا بالبوليمرات الكاتيونية ضمن منصة متعددة الوظائف يوفّر قابلية عالية للتحكم في تحميل الجينات وإطلاقها. وأضافت أن اعتماد النهج الحسابي يتيح تقليل الوقت والتكاليف اللازمة للتصميم مقارنةً بالأساليب التجريبية البحتة.
ووفقًا لها، تتمثل إحدى أبرز مزايا المشروع في تقديم إطار حسابي دقيق للتنبؤ بسلوك الناقل النانوي قبل تصنيعه مخبريًا، وهو ما يسهم في خفض تكاليف التجارب، وتسريع عمليات التصميم، وإتاحة التحسين الموجّه للبنية النانوية. كما أن القدرة على تحليل التفاعلات على المستوى الذري تمثّل ميزة رئيسية مقارنةً بالأساليب التجريبية التقليدية.