عندما يتحول ثاني أكسيد الكربون إلى مادة أولية للصناعات الكيميائية
  • عندما يتحول ثاني أكسيد الكربون إلى مادة أولية للصناعات الكيميائية

    دی اکسید کربن
    أظهرت نتائج بحث جديد أن استخدام جسيمات الفضة النانوية بقطر 10 نانومترات، مع تحسين تصميم تفاعل المصعد والاستعانة بالطاقة المتجددة، يمكن أن يسهم في تحويل ثاني أكسيد الكربون من مصدر للتهديد المناخي إلى مادة أولية لإنتاج الوقود والمواد الكيميائية عالية القيمة.
    رمز الخبر : 10019

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، أجرى باحثون من مركز هلمهولتز برلين (HZB)، بالتعاون مع شركاء دوليين، دراسة دقيقة لدور حجم جسيمات الفضة النانوية وكثافتها في عملية كهروكيميائية، وتوصلوا إلى تركيبة من شأنها تحسين تحويل ثاني أكسيد الكربون (CO₂) إلى أول أكسيد الكربون (CO). 

    وأظهرت النتائج أن جسيمات الفضة النانوية التي يبلغ قطرها نحو 10 نانومترات تحقق أفضل أداء بوصفها محفزات كهروكيميائية عندما توزَّع بكثافة منخفضة نسبياً على ركيزة كربونية. كما تمكن الباحثون من خفض استهلاك الطاقة في العملية بأكثر من 30 في المئة، مع إتاحة إنتاج الهيدروجين وحمض الفورميك، وذلك من خلال تعديل التفاعل الكيميائي عند المصعد في الخلية الكهروكيميائية.

    ويُعد تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد كيميائية عالية القيمة أحد المسارات التي حظيت باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة، بهدف الحد من انبعاثات هذا الغاز الدفيء والتوجه نحو اقتصاد دائري للكربون. وبدلاً من إطلاق ثاني أكسيد الكربون مباشرة في الغلاف الجوي بعد إنتاجه، تتيح هذه التقنية تحويله، باستخدام الطاقة الكهربائية، إلى مركبات أخرى يمكن إعادة استخدامها موادَّ أولية في الصناعات الكيميائية وإنتاج الوقود.

    وفي إطار المشروع الدولي «GreenQUEST»، درس فريق بحثي بقيادة براشانث مينيزيس، الكيميائي في مركز هلمهولتز برلين، بصورة منهجية أداء الطبقات المحفزة المصنوعة من جسيمات الفضة النانوية. وتمثل الهدف الرئيسي للدراسة في تحديد الظروف التي تتيح تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون باستهلاك أقل للطاقة وبتكلفة منخفضة.

    ويُعد أول أكسيد الكربون الناتج عن هذه العملية مادة أولية مهمة لإنتاج المركبات الكيميائية والوقود. وعندما يُستخدم إلى جانب الهيدروجين الناتج عن العمليات الكهروكيميائية في مراحل لاحقة، يمكن أن يسهم في إنتاج الغاز الاصطناعي، المعروف باسم «السينغاز». ويُستخدم هذا الغاز بدوره لإنتاج ثنائي ميثيل الإيثر (DME)، الذي يمكن تحويله لاحقاً بعملية تحفيزية إلى غاز بترولي مسال أخضر (Green-LPG)، يتكون أساساً من البروبان والبيوتان.

    وإذا جرى توفير الكهرباء اللازمة لعملية التحليل الكهربائي من مصادر متجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، فإن هذه الدورة يمكن أن تسهم في إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون وتقليل الاعتماد على الموارد الأحفورية. ولهذا السبب، تكتسب عملية تطوير محفزات قادرة على تنفيذ هذا التحويل بكفاءة أعلى واستهلاك أقل للطاقة أهمية خاصة.

    وفي هذه الدراسة، ركز الباحثون على جسيمات الفضة النانوية، التي وُضعت على قطب كهربائي إلى جانب مسحوق كربوني موصل، مع التحكم في حجم الجسيمات وكثافتها. وأظهرت النتائج أن حجم الجسيمات النانوية يؤدي دوراً حاسماً في كمية أول أكسيد الكربون الناتجة.

    وكان الباحثون يعلمون مسبقاً أن تصغير جسيمات الفضة إلى حد كبير لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين أدائها؛ إذ تميل الجسيمات شديدة الصغر إلى تعزيز تفاعل إنتاج الهيدروجين، ما قد يقلل من حصة التفاعل المستهدف لإنتاج أول أكسيد الكربون. وفي المقابل، تكون الجسيمات الكبيرة جداً أقل نشاطاً من الناحية التحفيزية.

    لذلك، تمثلت المسألة الرئيسية في تحديد الحجم الأمثل الذي يحقق التوازن بين هذين الوضعين. وأظهرت النتائج أن جسيمات الفضة النانوية التي يبلغ قطرها نحو 10 نانومترات تحقق أفضل أداء عندما تكون موزعة على المادة الكربونية بكثافة منخفضة نسبياً. وبلغت الكمية المثلى المعلنة للفضة نحو 0.2 مليغرام لكل سنتيمتر مربع من مساحة القطب الكهربائي.

    واستخدم الباحثون أيضاً الصور الملتقطة بواسطة المجهر الإلكتروني النافذ (TEM) لدراسة بنية الجسيمات النانوية وحجمها. وفي التركيبة المثلى، شكّلت الفضة نحو 20 في المئة من الكتلة الإجمالية للمادة المحفزة، فيما مثّل المسحوق الكربوني الموصل نسبة 80 في المئة.

    وتكمن أهمية هذه النتائج في أن زيادة كمية الفضة أو تقليص حجم الجسيمات لا يعني بالضرورة تحقيق أداء أفضل. إذ يمكن لطريقة توزيع الجسيمات النانوية وحجمها الدقيق أن يحددا التفاعل الكيميائي الذي يسود على سطح المحفز. وفي هذه الدراسة، أتاح الجمع بين حجم محدد للجسيمات وكثافة مناسبة لها توفير ظروف أفضل لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون.

    وفي الخطوة التالية، عدّل الباحثون التفاعل الذي يحدث في الجزء الآخر من الخلية الكهروكيميائية، أي المصعد. ففي العمليات التقليدية، عندما يتحول ثاني أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون عند المهبط، يحدث عادةً تفاعل إنتاج الأكسجين عند المصعد. ويستهلك هذا التفاعل قدراً كبيراً من الطاقة الكهربائية، في حين أن الأكسجين الناتج عنه لا يحقق قيمة اقتصادية كبيرة في هذا السياق.

    واستبدل الفريق البحثي تفاعل إنتاج الأكسجين بتفاعل أكسدة الألدهيدات، من خلال إضافة مركبات من هذه العائلة الكيميائية إلى المحلول الإلكتروليتي. وأدى هذا التعديل إلى خفض إجمالي استهلاك الطاقة في العملية بأكثر من 30 في المئة. وإلى جانب تقليل استهلاك الكهرباء، أتاح هذا النهج إنتاج مواد أخرى ذات قيمة، مثل الهيدروجين والأحماض الكربوكسيلية، ومنها حمض الفورميك، بدلاً من الاكتفاء بإنتاج الأكسجين.

    وفي هذا التصميم، يتولى المهبط تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون، بينما يتأكسد الفورمالديهايد عند المصعد ليتحول إلى حمض الفورميك. وينتج الهيدروجين أيضاً بوصفه أحد نواتج العملية، فيما يفصل غشاء عازل بين جزأي الخلية الكهروكيميائية.

    ويعني هذا التصميم أن الخلية الكهروكيميائية الواحدة يمكن أن تنتج عدة مواد ذات قيمة في الوقت نفسه. ويكتسب هذا النهج أهمية اقتصادية، لأن تكلفة الطاقة ليست العامل الوحيد الذي يحدد الجدوى الصناعية للعمليات الكهروكيميائية؛ إذ يمكن لإنتاج عدة مواد قابلة للاستخدام بالتزامن أن يزيد القيمة الإجمالية للنظام.

    كما اختبر الباحثون أداء المحفز المحسّن خلال تجارب طويلة الأمد. وأظهرت جسيمات الفضة النانوية، في الظروف المثلى، كفاءة فاراداي تقارب 100 في المئة في إنتاج أول أكسيد الكربون على مدى أكثر من 100 ساعة. وتُستخدم كفاءة فاراداي مقياساً لتحديد مدى فعالية استخدام التيار الكهربائي في إنتاج المادة المستهدفة.

    كذلك، درس الباحثون البنية الإلكترونية والكيميائية لجسيمات الفضة باستخدام مطيافية الإلكترونات الضوئية بالأشعة السينية. وأظهرت نتائج التحليل أن البنية النشطة للجسيمات النانوية ظلت مستقرة إلى حد كبير طوال العملية. وتُعد استقرارية المحفز من العوامل المهمة لضمان استخدام هذه الأنظمة على المدى الطويل.

    ويرى براشانث مينيزيس، المشرف على الدراسة، أن الجمع بين إنتاج أول أكسيد الكربون والإنتاج المتزامن للهيدروجين ومواد كيميائية أخرى ذات قيمة، مثل حمض الفورميك، يمكن أن يعزز القيمة الإجمالية للعملية الكهروكيميائية. وأوضح أن أول أكسيد الكربون والهيدروجين الناتجين يمكن استخدامهما في مراحل لاحقة موادَّ أولية لإنتاج الوقود والمواد الكيميائية المستدامة.

    وأُجريت هذه الدراسة في إطار مشروع «GreenQUEST»، بالتعاون بين مركز هلمهولتز برلين ومؤسسات شريكة في جنوب أفريقيا. ويتمثل الهدف الأوسع لهذا التعاون في تطوير وقود أخضر مستدام ومنخفض التكلفة للطهي، يمكن أن يشكل بديلاً أنظف لأنواع الوقود التقليدية المستمدة من الكتلة الحيوية.

    وتكتسب هذه الغاية أهمية خاصة في المناطق الريفية بجنوب أفريقيا، حيث لا يزال الحطب أحد المصادر الرئيسية للطاقة التي تستخدمها الأسر في الطهي. ويمكن لإنتاج الغاز البترولي المسال الأخضر من خلال إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون والاستعانة بالطاقة المتجددة أن يوفر، في حال تطوير هذه التقنية على نطاق صناعي، خياراً للحد من الاعتماد على الكتلة الحيوية وتقليل الآثار البيئية الناجمة عن أنواع الوقود التقليدية.

    ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Advanced Functional Materials. وتُظهر النتائج أن تغييرات تبدو محدودة في حجم الجسيمات النانوية المحفزة وكثافتها يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في أداء أنظمة تحويل ثاني أكسيد الكربون.

    ويوفر الجمع بين جسيمات الفضة النانوية التي يبلغ قطرها نحو 10 نانومترات، والتصميم المدروس لتفاعل المصعد، واستخدام الطاقة المتجددة آفاقاً لتطوير عمليات لا يُنظر فيها إلى ثاني أكسيد الكربون بوصفه غازاً دفيئاً فحسب، بل أيضاً مادة أولية لإنتاج الوقود والمواد الكيميائية ذات القيمة العالية.

    إرسال تعليق
    captcha