الميكروRNA يفتح آفاقاً جديدة للكشف المبكر عن مرض الشريان التاجي
أفادت وکالة آنا الإخباریة، يُعد مرض الشريان التاجي من أكثر أمراض القلب والأوعية الدموية شيوعاً، ومن الأسباب الرئيسية للوفيات عالمياً. وينشأ نتيجة تراكم اللويحات الدهنية ومواد أخرى تدريجياً في جدران الشرايين التي تنقل الدم والأكسجين إلى عضلة القلب.
وقد يؤدي تضيق هذه الشرايين إلى الحد من تدفق الدم، إلا أن المرض غالباً ما يتطور في مراحله المبكرة دون أعراض واضحة، ما قد يحول دون اكتشافه حتى وقوع مضاعفات خطيرة، مثل النوبة القلبية أو الذبحة الصدرية غير المستقرة.
وتتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية في وفاة أكثر من 17.9 مليون شخص سنوياً، فيما تحدث نسبة مهمة من الوفيات القلبية المفاجئة لدى أشخاص لم تظهر عليهم سابقاً علامات واضحة للإصابة بمرض الشريان التاجي.
ويكتسب الكشف عن المرض قبل ظهور الأعراض الشديدة أهمية كبيرة في إنقاذ الأرواح وخفض تكاليف العلاج. إذ يتيح التشخيص في المرحلة السابقة لظهور الأعراض السريرية فرصة لتعديل النظام الغذائي وزيادة النشاط البدني واستخدام العلاجات الدوائية، مثل الستاتينات، بما قد يسهم في إبطاء تطور المرض وتقليل الحاجة إلى دخول المستشفى أو إجراء رأب الأوعية الدموية بصورة طارئة أو جراحة مجازة الشريان التاجي.
وتشير الدراسات التي تناولها الباحثون إلى أن فحص الأشخاص المعرضين للخطر والتدخلات الوقائية قد يخفضان التكاليف المباشرة للرعاية الصحية بنسبة تصل إلى 30%. غير أن تحقيق الكشف المبكر يتطلب أدوات عالية الحساسية والدقة قادرة على رصد التغيرات المرضية قبل ظهور الأعراض السريرية، وهو ما يجعل المؤشرات الجزيئية، ولا سيما جزيئات الميكروRNA، من الخيارات التي تحظى باهتمام متزايد.
وفي هذا السياق، أجرى شادان نويد، من مجموعة التشريح في كلية الطب ومركز أبحاث العوامل الاجتماعية المؤثرة في الصحة بجامعة علوم الطب في غناباد، بالتعاون مع أحد زملائه في الجامعة، دراسة لتقييم إمكانية استخدام الميكروRNA في الكشف المبكر عن مرض الشريان التاجي. وركز الباحثان على دور هذه الجزيئات في نشوء المرض، وقدرتها على رصد التغيرات المبكرة، فضلاً عن الفرص والتحديات المرتبطة باستخدامها في الممارسة السريرية.
والميكروRNA جزيئات صغيرة جداً تؤدي دوراً في تنظيم نشاط الجينات؛ إذ يمكنها الارتباط بالحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، الذي ينقل التعليمات الجينية اللازمة لإنتاج البروتينات، فتثبط إنتاج بعض البروتينات أو تسهم في تحلل الحمض النووي الريبي المرسال.
وأُجريت الدراسة بصفتها مراجعة علمية، أي إن الباحثين لم ينفذوا تجارب جديدة على المرضى، بل جمعوا نتائج دراسات سابقة وقيّموها. وشملت المراجعة أبحاثاً منشورة بين عامي 2019 و2025 في قاعدتي بيانات PubMed وWeb of Science، باستخدام كلمات مفتاحية من بينها «الميكروRNA» و«مرض الشريان التاجي» و«الكشف المبكر» و«المؤشرات الحيوية».
وتشير المؤشرات الحيوية إلى خصائص قابلة للقياس في الجسم يمكن أن تدل على عملية بيولوجية طبيعية أو حالة مرضية. وهدفت المراجعة إلى تحديد جزيئات الميكروRNA الواعدة، ومقارنة الأساليب التشخيصية، وتحديد العقبات التي تحد من تطبيق هذه المؤشرات عملياً.
وأظهرت مراجعة الدراسات أن جزيئات مثل miR-21 وmiR-208a وmiR-133a كانت من بين الأكثر بحثاً. ويرتبط miR-21 بالالتهاب الوعائي، فيما يرتبط miR-208a بتلف عضلة القلب. كما أظهرت جزيئات أخرى، مثل miR-499 وmiR-126، إمكانات تشخيصية واعدة.
وتتميز جزيئات الميكروRNA بقدرتها على الاستقرار في السوائل الحيوية وامتلاك أنماط تعبير محددة، ما قد يساعد في رصد تغيرات مرتبطة بالالتهاب، واستقلاب الدهون، واضطراب وظيفة البطانة الداخلية للأوعية الدموية، والإجهاد التأكسدي.
كما بينت النتائج أن الجمع بين عدة جزيئات من الميكروRNA قد يوفر معلومات تشخيصية أدق من الاعتماد على مؤشر واحد. فعلى سبيل المثال، حققت مجموعة من المؤشرات تضم miR-21 وmiR-499 وmiR-223 قيمة بلغت 0.93 لمقياس الدقة التشخيصية، مقابل 0.88 لمجموعة تضم miR-21 وmiR-208a وmiR-133a. وقد يسهم دمج هذه المجموعات مع خوارزميات التعلم الآلي في تحسين دقة التشخيص وتطوير أدوات للتنبؤ بالمخاطر تراعي الخصائص الفردية لكل مريض.
وتعود أهمية استخدام مجموعات متعددة من المؤشرات إلى أن مرض الشريان التاجي لا ينجم عن تغير واحد، بل يرتبط بمجموعة من العمليات، تشمل الالتهاب المزمن وتراكم الدهون في جدران الشرايين والإجهاد التأكسدي واضطراب وظيفة البطانة الوعائية. وقد يرتبط كل جزيء من الميكروRNA بصورة أوضح بإحدى هذه العمليات؛ إذ يرتبط miR-155 بالالتهاب، وmiR-126 بوظيفة البطانة الوعائية، فيما يرتبط miR-499 بالإجهاد التأكسدي. ومن ثم، قد يوفر الجمع بين عدة مؤشرات صورة أشمل عن حالة الأوعية الدموية. كذلك، فإن دمج هذه الجزيئات مع المؤشرات التقليدية، مثل التروبونينات، قد يمهد لتطوير نهج أكثر شمولاً في الكشف عن المرض.
ويمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز الإمكانات التشخيصية للميكروRNA. إذ تتيح تقنيات التسلسل من الجيل التالي التعرف على جزيئات واعدة، مثل miR-200c وmiR-146b-5p، فيما قد تتيح المستشعرات النانوية الكشف السريع والحساس وغير الباضع عن هذه الجزيئات. كما يمكن للذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلم الآلي تحليل الأنماط المعقدة بين مؤشرات متعددة وتحسين تقدير احتمالات الإصابة بالمرض. وقد يساعد هذا النهج مستقبلاً في تقييم المخاطر وفقاً لخصائص كل فرد، بل وفي تطوير علاجات مخصصة.
وعلى الرغم من هذه الإمكانات، لا يزال استخدام الميكروRNA على نطاق واسع في المراكز العلاجية يتطلب مزيداً من الدراسات. وتشمل أبرز التحديات اختلاف طرق القياس، واحتمال زيادة نشر الدراسات ذات النتائج الإيجابية، وارتفاع تكاليف التقنيات، والحاجة إلى بنية تحتية متقدمة.
كما ينبغي التحقق من النتائج لدى مجموعات أكبر وأكثر تنوعاً من السكان للتأكد من دقة المجموعات المقترحة لدى فئات مختلفة. ويُعد تطوير اختبارات تشخيصية منخفضة التكلفة، وتوحيد إجراءات جمع العينات وقياسها، وإجراء تجارب سريرية، خطوات أساسية لتحويل هذه النتائج إلى أدوات قابلة للاستخدام في العيادات.
وتشير هذه المراجعة العلمية، التي نُشرت نتائجها في «الفصلية لعلوم الطب المساعد والصحة العسكرية» التابعة لجامعة علوم الطب في الجيش الإيراني، إلى أن جزيئات الميكروRNA قد تسهم في الانتقال من التعامل مع مرض الشريان التاجي بعد ظهور مضاعفاته إلى نهج وقائي يتيح رصد التغيرات المرتبطة به في مراحل مبكرة، قبل حدوث النوبات القلبية أو ظهور آلام شديدة. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توحيد المعايير، وخفض التكاليف، والتحقق من دقة الأساليب التشخيصية من خلال دراسات واسعة النطاق.