أوروبا وأزمة المصداقية في ملفات إيران وغزة وأوكرانيا
ضغوط متعددة على إيران... ومخاطر ارتدادها
خلال الأشهر الأخيرة، أصدر الاتحاد الأوروبي قرارات جديدة ضد إيران، داعياً إلى توسيع نطاق «العقوبات الموجّهة»، بالتوازي مع فرض قيود جوية وتوصيات تتعلق بالملاحة. ويأتي هذا النهج في وقت يواصل فيه مسؤولون أوروبيون التأكيد على التزامهم بحرية التعبير والحقوق المدنية، وهي ادعاءات باتت موضع تساؤل حتى في ضوء تقارير صادرة عن منظمات دولية حول أوضاع الحريات داخل بعض الدول الأوروبية.
تعكس هذه السياسة اعتماد أوروبا نموذج «الضغط متعدد الطبقات» تجاه إيران؛ مزيج من العقوبات الاقتصادية، والضغط السياسي، وصياغة السرديات الإعلامية. غير أن هذا المسار يواجه معضلة أساسية: فتصعيد الضغوط لا يهدد الاستقرار الإقليمي فحسب، بل قد يرتد سلباً على المصالح الاقتصادية والأمنية الأوروبية نفسها. وقد أظهرت تجارب سابقة أن سياسات الاحتواء القصوى غالباً ما تعمّق فجوات انعدام الثقة وتوسّع الشروخ الجيوسياسية بدلاً من إحداث تغيير سلوكي فعلي.
غزة... فجوة بين الخطاب والممارسة
على المستوى الخطابي، تؤكد أوروبا ضرورة وقف الاستيطان ودعم حقوق الفلسطينيين، لكنها عملياً تُتَّهم بمواصلة توفير الغطاء السياسي والدعم العسكري لـإسرائيل. كما أثار عبور طائرات مسؤولين إسرائيليين أجواء بعض الدول الأوروبية المنضوية في نظام روما الأساسي تساؤلات جدية حول مدى التزام هذه الدول بتعهداتها في إطار القانون الدولي.
المواقف النقدية الصادرة عن شخصيات أممية، لا سيما من داخل منظومة الأمم المتحدة، قوبلت بردود فعل حادة من بعض الحكومات الأوروبية، ما يعكس أن إدارة الأزمة تخضع لحسابات سياسية وتحالفية أكثر مما تستند إلى مقاربة احتواء إنساني وقانوني متماسك.
استمرار هذا التباين قد يوسّع الفجوة بين الرأي العام الأوروبي وحكوماته، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي في العالم العربي إلى معارضة واسعة لسياسات التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يضعف الشرعية الإقليمية للموقف الأوروبي.
أوكرانيا... دفاع عن الأمن الجماعي أم إطالة أمد الحرب؟
في ملف أوكرانيا، لعبت أوروبا دوراً محورياً في تمويل وتسليح كييف ضمن تنسيق واسع مع حلف شمال الأطلسي. وقد أكد الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، أن القسم الأكبر من الدعم العسكري جاء من دول الحلف.
هذا المستوى من الانخراط جعل أوروبا أحد الفاعلين الرئيسيين في استمرار الحرب. ورغم أن المسؤولين الأوروبيين يبررون ذلك في إطار حماية الأمن الجماعي، فإن تواصل المساعدات العسكرية بالتوازي مع طرح مسارات دبلوماسية يثير تساؤلاً مشروعاً: هل تسهم أوروبا، عن غير قصد، في تثبيت معادلة حرب استنزاف طويلة الأمد؟
استمرار هذا النهج يفرض ضغوطاً مالية واجتماعية متزايدة على الداخل الأوروبي، ويرفع في الوقت ذاته من مخاطر اتساع رقعة المواجهة، بما يحمله ذلك من تهديدات لأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في القارة.
أزمة مشروعية دولية
مجمل السياسات الأوروبية تجاه إيران، وغزة، وأوكرانيا، ترسم صورة فاعل دولي يواجه أزمة مشروعية متنامية. فالتلازم بين خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان وبين الدعم العسكري والعقوبات الواسعة يخلق فجوة واضحة بين القول والفعل. وقد انعكس ذلك، ولا سيما في دول الجنوب العالمي، على تآكل المكانة المعيارية التي طالما تباهت بها أوروبا.
وإذا لم تُجرِ أوروبا مراجعة استراتيجية شاملة، فقد تجد نفسها تنتقل من موقع «القوة الناعمة» إلى مجرد لاعب وظيفي في معادلات جيوسياسية صلبة؛ تحولٌ لا يهدد أمن القارة وحدها، بل ينعكس أيضاً على مستقبل النظام الدولي متعدد الأطراف.