حين يحذّر الجنرالات… هل يفقد ترامب احتكار قرار التصعيد؟
۰۵ اسفند ۱۴۰۴
  • 24 February 2026 - 11:25

    حين يحذّر الجنرالات… هل يفقد ترامب احتكار قرار التصعيد؟

    نشر تقييم عسكري سلبي بشأن الحرب مع إيران عبر ثلاث منصات إعلامية كبرى يطرح تساؤلات حول حدود سلطة الرئيس في إدارة الأزمات الكبرى. فهل نحن أمام محاولة مؤسسية لكبح اندفاعة سياسية، أم مجرد خلاف تكتيكي داخل غرفة القرار؟
    رمز الخبر : 9280

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، لم يكن التسريب المتزامن لرواية ثلاث وسائل إعلام أميركية رئيسية بشأن التقييم السلبي لأعلى مسؤول عسكري في الولايات المتحدة حول الحرب مع إيران حدثاً عادياً، بل مؤشراً سياسياً عميق الدلالة. فالرسالة التي خرجت من قلب واشنطن تفيد بأن الحرب، إن اندلعت، ستكون أكثر كلفة وأقل قابلية للضبط مما يحاول دونالد ترامب تصويره أمام الرأي العام.

    في تقارير نشرتها كل من The Wall Street Journal و**The Washington Post** وموقع Axios، نُقل عن الجنرال Daniel Caine، أعلى مسؤول عسكري في الولايات المتحدة، أن المؤسسة العسكرية ترى أن أي حرب ضد إيران ستكون «صعبة وذات عواقب واسعة». تزامن النشر في ثلاث منصات مؤثرة يعزز فرضية أن الأمر لا يتعلق باجتهاد فردي أو تسريب عابر، بل بإشارة صادرة من داخل بنية صناعة القرار نفسها.

    ردّ ترامب جاء سريعاً وحاداً عبر منصته Truth Social، حيث نفى التقارير بالكامل، وهاجم وسائل الإعلام واصفاً ما نشرته بـ«الأخبار الكاذبة»، وأكد أن رئيس هيئة الأركان المشتركة «لا يعرف سوى الانتصار»، ملوّحاً بقدرات القاذفات B-2 ومشدداً على أن «القرار النهائي بيده». غير أن هذا الرد، بدلاً من أن يعكس ثقة مطلقة بخيار الحرب، بدا محاولة لاستعادة السيطرة على السردية بعد أن انتقل النقاش من «إمكانية ضربة سريعة» إلى «تداعيات استراتيجية وإقليمية غير محسوبة».

    في النظام السياسي الأميركي، غالباً ما يُستخدم التسريب المنظم كأداة لرفع الكلفة السياسية قبل اتخاذ قرارات عالية المخاطر. وعندما يُنقل عن أعلى مسؤول عسكري أن الحرب ستكون معقدة ومكلفة، فإن إطار النقاش يتحول جذرياً. الرسالة هنا لا تستهدف الرأي العام فحسب، بل الكونغرس أيضاً: سيناريو الحرب ليس بسيطاً ولا مضمون النتائج.

    اللافت كذلك أن شخصيات إعلامية قريبة من معسكر ترامب، مثل Laura Loomer و**Mark Levin**، تحدثت بغضب عن «تسريب داخلي من البيت الأبيض» يضر بالرئيس. مجرد استخدام مفردة «تسريب» داخل الدائرة الموالية يؤكد أن الخلاف لم يعد مكتوماً، بل بات يتطلب إدارة عاجلة داخل النخبة الحاكمة.في موازاة ذلك، برز تحول ملحوظ في خطاب ترامب تجاه الشعب الإيراني.

    فقد نقل Steve Witkoff أن الرئيس مستغرب من «عدم خوف» إيران، في إشارة ضمنية إلى تحدٍّ في معادلة الردع. التهديد يفقد فعاليته إن لم يُصدَّق، وعندها يميل صانع القرار إلى تصعيد مستوى الضغط. انتقال ترامب من التفريق بين «النظام» و«الشعب» إلى التلميح بأن «الشعب سيتضرر أيضاً» يعكس توسيع دائرة التهديد من السلطة إلى المجتمع، في محاولة لإحداث ضغط داخلي على طهران.

    غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطرة حسابية. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التهديد الوجودي لا يؤدي بالضرورة إلى ضغط شعبي ضد السلطة، بل قد يعزز التماسك الداخلي. 

    تعميم التهديد على المجتمع قد يخفف القيود السابقة على الرد، ويوسع نطاق المواجهة المحتملة، وهو ما يفسر حذر بعض القيادات العسكرية الأميركية إزاء قابلية السيطرة على مسار الحرب.

    في الخلفية أيضاً، تحضر روايات قريبة من رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، والتي تروّج لفكرة أن الضغط المتصاعد قد يفضي إلى تنازل أو حتى انهيار. غير أن هذه القراءة تتجاهل منطق البقاء الذي يحكم سلوك الدول تحت التهديد الوجودي، حيث يميل الطرف المستهدف إلى تعظيم قدرته على المقاومة لا العكس.

    استراتيجياً، التحدي الأكبر أمام أي هجوم عسكري على إيران لا يتعلق بالقدرة الصلبة للولايات المتحدة، بل بحجم اللايقين في حرب إقليمية قد تتوسع إلى ما هو أبعد من مواجهة مباشرة، وتمتد إلى فاعلين غير دولتيين، وتهدد مصالح واشنطن وحلفائها في نطاق جغرافي واسع. في مثل هذا السيناريو، قد لا يترجم التفوق التكتيكي إلى نجاح استراتيجي.

    وفق مقاربة نظرية الألعاب، تبدو اللحظة الراهنة اختباراً لمصداقية التهديد. فإذا لم يكن التهديد قابلاً للتصديق، يتعين على الطرف المهدِّد إما تصعيده أو الانتقال إلى التفاوض. ردّ ترامب الحاد وتعديل نبرته يوحيان بمحاولة إعادة ترميم مصداقية الردع، غير أن التسريبات والتحذيرات العسكرية رفعت في المقابل كلفة هذا المسار.

    في المحصلة، يكشف تزامن التسريبات، والانفعال الرئاسي، واحتجاج الدائرة الإعلامية الموالية، وتوسيع نطاق التهديد ليشمل المجتمع الإيراني، عن خلاف حقيقي داخل بنية السلطة الأميركية حول «مخاطر ونتائج الحرب». والسؤال الحاسم يبقى: أي منطق سيسود في نهاية المطاف؟ منطق الضغط السريع لانتزاع تنازلات، أم منطق الحذر من حرب ذات مسارات ونتائج يصعب التنبؤ بها؟

    إرسال تعليق
    captcha