حربٌ مع إيران: قرارٌ حاسم أم لعبة نفسية؟
أفادت وکالة آنا الإخباریة، إن المقابلة الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس مع صحيفة واشنطن بوست تبدو، عند قراءتها بعمق، أبعد من كونها إعلان موقف واضح، وأقرب إلى محاولة لإدارة حالة متصاعدة من عدم اليقين تحيط بخيار توجيه ضربة عسكرية لإيران.
ففي وقت تتقدم فيه المحادثات غير المباشرة في جنيف، ويتصاعد داخل الكونغرس النقاش حول تقييد الصلاحيات الحربية للرئيس، تبدو لغة الحسم التي استخدمها فانس محاولة لاحتواء ارتباك استراتيجي أكثر منها تعبيراً عن قرار نهائي.
واقع الأمر أن واشنطن لا تملك اليوم تصوراً واضحاً لا لتوقيت أي تحرك عسكري محتمل، ولا لنطاقه، ولا لشكل تنفيذه، ولا لمآلاته. هذا الغموض ذاته تحوّل إلى متغير استراتيجي يثقل كاهل صانع القرار الأمريكي.
ومن هنا، فإن تأكيد فانس أنه «لا احتمال إطلاقاً» لانزلاق أي تحرك عسكري إلى حرب طويلة في الشرق الأوسط، يبدو أقرب إلى خطاب موجه للرأي العام منه إلى خلاصة تقييم ميداني دقيق. فهو يسعى إلى رسم صورة لعملية محدودة، قابلة للضبط، قليلة الكلفة؛ صورة تناقضها تجارب العراق وأفغانستان بوضوح.
في السياق ذاته، جاءت تحركات عسكرية وإعلامية لتعزيز هذا الخطاب. فقد تم تداول تقارير عن تحرك حاملة الطائرات الأمريكية USS Gerald R. Ford من شرق المتوسط باتجاه حيفا، بالتوازي مع أنباء عن إعادة تموضع جزئي لقوات من مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
ورغم أن القيمة العملياتية لهذه التحركات تبقى موضع تقدير، فإن وظيفتها الأبرز تبدو في حقل «صناعة الإدراك»؛ أي تكريس الانطباع بأن الخيار العسكري ليس مطروحاً فحسب، بل يقترب من مرحلة التنفيذ.
غير أن هذا الاستعراض يتقاطع مع قيود داخلية متنامية. فالكونغرس الأمريكي، وخصوصاً في أوساط الديمقراطيين، يبدي ميلاً متزايداً لتقييد قدرة البيت الأبيض على خوض نزاع جديد في الشرق الأوسط من دون تفويض صريح. وبعد تجربتين مكلفتين امتدتا لعقدين، لم تعد المؤسسة التشريعية مستعدة لمنح تفويض مفتوح لتحرك عسكري جديد. وهذا يعني أن توفر الإرادة السياسية داخل السلطة التنفيذية لا يكفي وحده لتعبيد الطريق القانوني والسياسي لأي مواجهة.
إلى جانب ذلك، تختلف إيران جذرياً عن العراق وأفغانستان من حيث البنية الاستراتيجية. فهي تمتلك قدرة عالية على التعبئة الداخلية في ظل التهديد الخارجي، إلى جانب أدوات ردع غير متماثلة، وشبكة حلفاء إقليميين، وعمق جيوسياسي يمنحها هامش مناورة واسعاً. ومن هذا المنطلق، فإن تحذير قائد الثورة الإسلامیة سید علي خامنئي من أن أي هجوم محدود قد يتطور إلى حرب إقليمية لا يمكن اعتباره مجرد تهديد لفظي، بل توصيفاً لاحتمال عملياتي قائم. وهذه هي تحديداً معضلة عدم اليقين التي يسعى الخطاب الأمريكي إلى تقليصها لفظياً، فيما تبقى قائمة واقعياً.
تزداد الصورة تعقيداً مع تزامن هذا التصعيد الخطابي مع الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة في جنيف، والتي جرى تقييمها إيجابياً من قبل الوسيط العماني ومن قبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ما يشير إلى انتقال المفاوضات من اختبار النيات إلى مرحلة فنية، مع اتفاق على استكمالها الأسبوع المقبل في فيينا. وهذا التطور يعكس بوضوح أن مسار الدبلوماسية لا يزال حياً وذا معنى للطرفين.
أمام هذا المشهد، تواجه الولايات المتحدة معادلة معقدة: فهي تحتاج إلى تهديد ذي مصداقية لتعزيز موقعها التفاوضي، لكنها في الوقت ذاته معنية بتجنب حرب مكلفة وغير قابلة للضبط. والنتيجة هي تصعيد في مستوى الخطاب والعرض العسكري دون تجاوز عتبة الفعل. تصريحات فانس، والتحركات البحرية، والضغط الإعلامي، كلها عناصر في استراتيجية «حافة الهاوية» الهادفة إلى تعظيم المكاسب التفاوضية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وعليه، فإن ما يُرصد اليوم في سلوك واشنطن لا يعكس اقتراباً حتمياً من الحرب، بقدر ما يكشف عن أزمة في بلورة سيناريو عملياتي قابل للتنفيذ. فالولايات المتحدة تبدو في حاجة ملحّة إلى الحفاظ على صورة الجاهزية، في وقت تدرك فيه أن تنفيذ التهديد قد يفتح الباب أمام متغيرات تتجاوز قدرتها على التحكم.
في المحصلة، تبقى الدبلوماسية المسار الأرجح، لكنها دبلوماسية تتحرك تحت مظلة تهديد كثيف وملتبس، ضمن توازن دقيق بين إظهار القوة وتجنب استخدامها.