الأمن أم التسييس؟ أيّ طريق اختارت ميونخ؟
  • 16 February 2026 - 10:39

    الأمن أم التسييس؟ أيّ طريق اختارت ميونخ؟

    تحوّلت الدورة الأخيرة من مؤتمر ميونخ للأمن إلى منصة مواجهة سياسية مع إيران، بدل أن تكون ساحة للحوار الأمني. هذا التحول لا يعكس فقط خللاً في القراءة الأوروبية للواقع الداخلي الإيراني، بل يشير أيضاً إلى تراجع الدور الاستراتيجي الأوروبي في النظام الدولي المتحوّل.
    رمز الخبر : 9241

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، أداء منظّمي مؤتمر ميونخ حيال إيران كشف عن فجوة واضحة في المقاربة الأوروبية للتطورات الداخلية في البلاد. فقد جرى التركيز سياسياً على الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي، من دون التطرق إلى الدور المباشر للعقوبات الأحادية في تفاقم الضغوط المعيشية، في مقاربة بدت انتقائية أكثر منها موضوعية.

    وذلك رغم انتقادات صدرت حتى عن جهات دولية بشأن الآثار الإنسانية للعقوبات، إلا أن أوروبا فضّلت إبراز سرديتها السياسية الخاصة.

    كما أن تجاهل الحشود الواسعة التي خرجت في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، إضافة إلى رسائل التهنئة الرسمية من عدد من الدول إلى طهران، يعكس إغفالاً لمؤشرات ملموسة تتصل بشرعية النظام السياسي في إيران. هذا الخلل الإدراكي دفع أوروبا نحو خيارات تبدو أقرب إلى الحسابات الأيديولوجية منها إلى الواقعية السياسية، ما عمّق الفجوة بينها وبين الوقائع الميدانية في إيران.

    يكشف سلوك الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حيال تطورات غرب آسيا، عن انتقال تدريجي في الوزن الجيوسياسي نحو فاعل آخر. فقد شكّل الدعم السياسي العلني لإجراءات حكومة بنيامين نتنياهو — حتى بعد صدور مذكرة توقيف بحقه من قبل المحكمة الجنائية الدولية — مؤشراً على مستوى غير مسبوق من التماهي الاستراتيجي مع تل أبيب.

    هذا الانخراط قلّص عملياً هامش المبادرة الأوروبية في المعادلات الإقليمية، وجعلها أقرب إلى تابع لسياسات إسرائيل. والنتيجة كانت تراجع الدور الوسيط لأوروبا وتآكل قدرتها على إدارة الأزمات في المنطقة. كما أن ربط المصداقية الأوروبية بسلوكيات إسرائيل المثيرة للجدل أضعف رصيدها الرمزي في دول الجنوب العالمي.

    تراجع الدور في المفاوضات النووية

    بعدما كانت أوروبا أحد الأضلاع الرئيسية في مسار التفاوض النووي مع إيران، بات حضورها اليوم هامشياً في التحولات الجارية. فالمفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني أصبحت تتأثر أكثر بالتفاعلات المباشرة بين قوى إقليمية ودولية أخرى، لا بالمبادرات الصادرة من بروكسل.

    تعكس هذه الحالة تراجعاً ملحوظاً لدور الاتحاد الأوروبي في هندسة الأمن الدولي. ويمكن إرجاع هذا الضعف إلى جملة عوامل، أبرزها الارتهان الأمني للولايات المتحدة، والانقسامات الداخلية المرتبطة بالأزمة الأوكرانية، وغياب إجماع أوروبي واضح بشأن كيفية التعامل مع إيران.

    والنتيجة هي تهميش “الترويكا الأوروبية” وتقلّص قدرتها على التأثير في الملفات الأمنية الحساسة، لتتحول من لاعب فاعل إلى مراقب لمسارات يصوغها آخرون.

    أزمة المصداقية الإعلامية والسياسية

    يثير الخطاب الغربي حول حرية التعبير تساؤلات متزايدة، في ظل ما يراه منتقدون انتقائية في تغطية الشأن الإيراني. فقد وُجّهت اتهامات إلى مؤسسات إعلامية مثل بي بي سي ودويتشه فيله ووكالة فرانس برس باعتماد معايير مزدوجة، من خلال التركيز على شخصيات معارضة وتجاهل وقائع داخلية أخرى.

    وفي السياق نفسه، أثار إبراز بعض الشخصيات السياسية مثل رضا بهلوي على هامش مؤتمر ميونخ جدلاً حول محاولة صناعة صورة بديلة لمستقبل إيران. غير أن غياب قاعدة اجتماعية متماسكة لهذه التيارات جعل من هذا التحرك أقرب إلى فعل رمزي منه إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.

    في المحصلة، لم ينجح مؤتمر ميونخ الأخير في ترسيخ نفسه كمنصة للحوار الأمني، بل تحوّل إلى مؤشر على الارتباك الاستراتيجي الأوروبي. ارتباك تغذّيه فجوة في فهم إيران، وتماهِ متزايد مع إسرائيل، وأزمة انسجام داخلية. واستمرار هذا المسار قد يفضي إلى مزيد من تآكل المكانة الأوروبية في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.

    إرسال تعليق
    captcha