الولايات المتحدة في فخ حرب الاستنزاف.. هزيمة ثالثة محتملة في الشرق الأوسط تُسجَّل باسم دونالد ترامب
أفادت وکالة آنا الإخباریة، إن الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط فقط بالقدرات العسكرية، بل تتداخل فيها عوامل جيوسياسية واقتصادية واجتماعية تلعب دوراً حاسماً في مسار الحروب الطويلة. تُظهر التجارب التاريخية أن الولايات المتحدة غالباً ما تواجه تحديات كبيرة في الحروب الإقليمية طويلة الأمد.
ويُعدّ نموذجا الحرب في العراق وأفغانستان مثالين بارزين على ذلك؛ فبعد سنوات من الوجود العسكري وإنفاق تريليونات الدولارات، انتهت هاتان الحربان من دون تحقيق الأهداف المعلنة، مع تكبد خسائر بشرية وسياسية ملحوظة.
هذا الإرث التاريخي كان أحد الأسباب التي دفعت دونالد ترامب خلال السنوات الماضية إلى انتقاد التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث اعتبر أن الإدارات السابقة أدخلت الولايات المتحدة في حروب مكلفة وطويلة. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن إدارته نفسها قد تجد نفسها اليوم على مسار مواجهة واسعة النطاق؛ مسار قد يعيد إحياء التحديات الاستراتيجية نفسها إذا طال أمد الصراع.
في المقابل، أعلنت إيران منذ بداية المواجهة استعدادها لخوض حرب طويلة. ويحمل هذا الإعلان دلالات استراتيجية مهمة؛ إذ تشير النظريات العسكرية إلى أن الطرف الذي يستعد لحرب طويلة غالباً ما يملك أفضلية مع مرور الوقت، خاصة عندما يكون الطرف المقابل يسعى إلى حسم سريع.
وتعتمد طهران في هذا السياق على مزيج من القدرات الوطنية والإقليمية، بما يشمل قدراتها الدفاعية الداخلية وشبكة من القوى المتحالفة معها في المنطقة. وفي الوقت ذاته، بدأت جبهات الصراع في المنطقة تتسع تدريجياً. فالنشاط المتزايد لقوى مثل حزب الله على الجبهة اللبنانية، إلى جانب احتكاكات بين فصائل المقاومة والقوات الأمريكية في العراق، يشير إلى أن الصراع قد يتحول إلى مواجهة متعددة الجبهات.
وفي مثل هذه الظروف، ستضطر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توزيع مواردهما العسكرية والأمنية على أكثر من ساحة، ما يزيد من كلفة الحرب سياسياً وعسكرياً مع مرور الوقت. كما يشكّل سوق الطاقة العالمي عاملاً أساسياً في هذه المعادلة. فجزء كبير من إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي قد يترك آثاراً اقتصادية واسعة على الاقتصاد العالمي.
وإذا أدت الحرب إلى تعطّل مستمر في تدفق الطاقة، فإن الضغوط الاقتصادية والسياسية على الحكومات المنخرطة في الصراع – ولا سيما في الدول الغربية – ستزداد بشكل ملحوظ، ما قد يدفع المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لإنهاء الحرب. إلى جانب العوامل الجيوسياسية، تلعب المتغيرات الداخلية دوراً مؤثراً في مسار الصراع. ففي إسرائيل، قد تؤثر استمرار الحرب والضغوط الأمنية المتزايدة على مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي.
أما في الولايات المتحدة، فقد يتحول طول أمد الحرب إلى قضية مركزية في المنافسة السياسية الداخلية، خصوصاً إذا ارتفعت كلفتها الاقتصادية والبشرية. وفي مثل هذا السياق، قد تؤثر تطورات مثل خسارة الجمهوريين المحتملة في انتخابات الكونغرس أو تصاعد الضغوط السياسية على الإدارة في مسار اتخاذ القرار بشأن استمرار الحرب. وبناءً على هذه المعطيات، فإن تحوّل الصراع إلى حرب استنزاف قد يعني أن النتيجة النهائية لن تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في ميزان الكلفة والقدرة على الصمود السياسي والاجتماعي لكل طرف.
وفي هذا السيناريو، تبدو إيران مستعدة للاستفادة من قدراتها الوطنية والإقليمية لإفشال الأهداف المعلنة للولايات المتحدة وإسرائيل، وربما تحقيق تفوق استراتيجي حتى من دون انتصار عسكري تقليدي. أما بالنسبة لواشنطن، التي تُنظر إليها باعتبارها الطرف الذي بدأ المواجهة، فإن الفشل في تحقيق أهداف واضحة أو الخروج من الحرب دون مكاسب ملموسة قد يُفسَّر كخسارة سياسية واستراتيجية جديدة؛ خسارة قد تتجاوز حدود ساحة المعركة لتنعكس على السياسة الداخلية الأمريكية وعلى توازنات القوة في الشرق الأوسط.