جنيف تكشف التحوّل: أوروبا خارج معادلات القوة الجديدة
  • 19 February 2026 - 11:24

    جنيف تكشف التحوّل: أوروبا خارج معادلات القوة الجديدة

    في مشهد دبلوماسي مكثّف تشهده جنيف، برز تزامن مسارين تفاوضيّين حسّاسين ليكشف حقيقة سياسية لافتة: أوروبا تغيب عن طاولات كانت حتى وقت قريب جزءاً أساسياً منها، في مؤشر واضح على تحوّل موازين التأثير في النظام الدولي.
    رمز الخبر : 9256

    أفادت وکالة آنا الإخباریة، تحوّلت جنيف في الأيام الأخيرة إلى بؤرة للحراك الدبلوماسي العالمي. فمن جهة، استضافت سفارة سلطنة عُمان جولة مفاوضات نووية بين إيران والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى أعلنت وزارة الخارجية السويسرية عن اجتماع ضمّ روسيا وأمريكا وأوكرانيا.

    وبغضّ النظر عن مآلات هذين المسارين، تبرز حقيقة مشتركة: غياب أوروبي فعّال عن طاولتي التفاوض. ففي وقتٍ حظيت فيه الأطراف الحاضرة بفرصة عرض مواقفها والتأثير النسبي في مسار النقاشات، حُرمت أوروبا حتى من هذا الحدّ الأدنى من الحضور.

    ولا يبدو هذا الغياب حدثاً عابراً، بل انعكاساً لتحوّل موازين القوى وإعادة تعريف أدوار الفاعلين في نظام دولي يتّجه نحو إعادة التشكل.

    اختلال الثقة… من الاتفاق النووي إلى الأزمة الأوكرانية

    يكشف أداء أوروبا في ملفي إيران وروسيا عن نمط سلوكي يمكن توصيفه بـ«المطالبة القصوى بالالتزامات دون تحمّلٍ موازٍ للمسؤوليات». ففي سياق الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، لم تنجح العواصم الأوروبية في تنفيذ تعهداتها الاقتصادية على نحوٍ فعّال، كما بقيت الآليات التي وُعد بها — مثل أدوات تسهيل التبادل التجاري — محدودة التأثير. كذلك أُثيرت انتقادات حول التطبيق الجزئي لبعض بنود قرار مجلس الأمن 2231، ما أسهم في تآكل الثقة المتبادلة.

    أما في الملف الروسي، فتنظر موسكو إلى الدعم المالي والعسكري الأوروبي الواسع لأوكرانيا، وتجميد الأصول الروسية، والتطورات المرتبطة بحلف حلف شمال الأطلسي، باعتبارها إخلالاً بتفاهمات سابقة. ونتيجة لذلك، وجدت أوروبا نفسها في مواجهة أزمة ثقة مزدوجة، تجلّت اليوم في استبعادها من بعض دوائر صناعة القرار. في بيئةٍ تُعدّ فيها الثقة رأسمال الدبلوماسية الأهم، يصبح أيّ فاعلٍ متهمٍ بعدم الوفاء بالتزاماته عرضةً للتهميش التدريجي.

    الاعتماد الأمني… فجوة بين الخطاب والواقع

    تعود جذور الوضع الراهن، في جانبٍ منه، إلى الاعتماد الأوروبي التاريخي على المظلّة الأمنية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا «التعهيد الأمني» لم يبقَ في إطاره العسكري فحسب، بل تمدّد إلى أبعاد سياسية واقتصادية.

    وفي محطاتٍ مفصلية، كشفت الضغوط الأمريكية — سواء عبر العقوبات أو المواقف الأحادية — محدودية القدرة الأوروبية على اتخاذ قرارات مستقلة بالكامل. ورغم دعوات متكررة في منتديات دولية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس و**مؤتمر ميونخ للأمن** لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، لا تزال الفجوة واضحة بين خطاب «الاستقلال الاستراتيجي» والواقع البنيوي للاعتماد المتبادل. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الغياب الأوروبي عن مفاوضات جنيف بوصفه تجسيداً لهذه الفجوة بين الطموح المعلن والقيود الهيكلية.

    مسار مكلف في نظام دولي متحوّل

    رغم محاولات إعلامية لإظهار عودة أوروبية إلى دورٍ أكثر استقلالاً، تشير المعطيات إلى استمرار النهج السابق القائم على الانخراط السياسي الانتقائي والمواقف المكلفة. فالدعم غير المشروط لبعض الفاعلين الإقليميين، وتبنّي مقاربات أحادية في المحافل الدولية، لم يؤدّ إلى استعادة المكانة بقدر ما عمّق الاصطفافات في مواجهة أوروبا.

    في نظامٍ دولي يتّجه نحو التعددية القطبية وتوزيعٍ أكثر توازناً للقوة، ستكون الأفضلية للفاعلين القادرين على بناء الثقة واعتماد مقاربة تفاعلية ومسؤولة. وإذا أرادت أوروبا العودة إلى قلب المعادلات، فإن مراجعة نمطها السلوكي تبدو خياراً لا مفرّ منه؛ وإلا فإن الغياب عن طاولات القرار قد يتحوّل من استثناءٍ عابر إلى مسارٍ مستدام.

    إرسال تعليق
    captcha